الأحد 08 نوفمبر 2026
رئيس التحرير
عمرو عامر
رئيس التحرير
عمرو عامر
تحليل

الهجمات الروسية تستنزف اقتصاد أوكرانيا.. شلل المصانع وتعطل الصادرات يفاقمان الخسائر

الأحد 08/نوفمبر/2026 - 03:02 م
روسيا
روسيا

تتزايد الضغوط التي يتعرض لها الاقتصاد الأوكراني مع اتساع نطاق الهجمات الروسية لتطال قطاعات حيوية تتجاوز المنشآت العسكرية والبنية التحتية، إذ أصبحت المصانع وموانئ التصدير ومخازن السلع وشبكات النقل والطاقة ضمن الأهداف التي تهدد استمرار النشاط الاقتصادي في البلاد، وتضع مصادر الدخل وفرص العمل والإيرادات الحكومية أمام تحديات متصاعدة.

وتأتي هذه التطورات قبل جولة جديدة من محادثات السلام المرتقبة بوساطة أمريكية الأسبوع المقبل، في وقت تكشف فيه بيانات وتحليلات نقلتها شبكة «سي إن إن» عن زيادة كثافة الضربات الروسية خلال وقت مبكر من العام، مقارنة بالفترات السابقة، إلى جانب اتساع قائمة المواقع والمنشآت التي تتعرض للاستهداف.

وبحسب تقديرات مركز مراقبة النزاعات العالمية «أكليد»، ارتفع عدد الضربات الروسية على الأراضي الأوكرانية من نحو 3650 ضربة خلال يناير 2026 إلى 5532 ضربة في أكتوبر من العام نفسه، وهو ما يعكس تصاعد استهداف المنشآت الحيوية والأنشطة الاقتصادية، مع دخول الحرب عامها الخامس.

ويرى محللون أن طبيعة العمليات العسكرية الروسية تشير إلى توجه نحو إضعاف قدرة الاقتصاد الأوكراني على الصمود، وليس مجرد إلحاق أضرار بالبنية التحتية ذات الاستخدام العسكري.

وفي هذا السياق، قال جون لوف، رئيس الشراكات الدولية في مركز الاستراتيجيات الأوروبية الآسيوية الجديدة، إن الحملة الجوية الروسية تستهدف الاقتصاد الأوكراني بصورة واضحة، محذراً من أن استمرار هذه الهجمات قد يؤدي إلى زيادة الأعباء المالية على الدول الأوروبية التي تقدم الدعم لكييف.

 مصانع الصلب والحبوب في مرمى الهجمات الروسية

يواجه القطاع الصناعي الأوكراني خسائر متزايدة نتيجة استهداف منشآته الإنتاجية، بعدما تعرضت مصانع رئيسية لإنتاج الصلب في مدينتي كريفي ريه وزابوريجيا لهجمات بصواريخ باليستية خلال الفترة الممتدة من أغسطس إلى أكتوبر، الأمر الذي دفع هذه المنشآت إلى وقف عملياتها.

وتتجاوز تداعيات توقف مصانع الصلب حدود انخفاض حجم الإنتاج، إذ تمتد إلى العمال الذين يفقدون أجورهم، والأسر التي تعتمد على دخولهم، فضلاً عن تراجع الضرائب التي تحصل عليها الحكومة من الشركات والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها.

وحذرت السلطات المحلية في مدينة كريفي ريه من انعكاسات اجتماعية واقتصادية خطيرة لإغلاق مصنع الصلب، في ظل تأثر آلاف الأسر بفقدان مصادر دخلها.

من جانبه، أوضح كريستيان فلاس، الباحث في شؤون أوروبا الشرقية لدى «أكليد»، أن استهداف المنشآت الصناعية ينعكس بصورة مباشرة على الإيرادات الضريبية لأوكرانيا، لأن الأضرار لا تتوقف عند تراجع الإنتاج، وإنما تمتد إلى أجور العاملين ومستويات الإنفاق والقدرة الشرائية للأسر.

وبالتوازي مع القطاع الصناعي، تتعرض الأنشطة الزراعية وصادرات الحبوب لضغوط متزايدة، نتيجة تكرار الهجمات على موانئ البحر الأسود وموانئ نهر الدانوب، التي تمثل ممرات أساسية لنقل المنتجات الأوكرانية إلى الأسواق العالمية.

ويؤدي استهداف هذه الموانئ إلى تهديد قدرة الشركات على شحن بضائعها وتحصيل عائداتها، فضلاً عن احتمالات ارتفاع تكاليف النقل والتخزين والتأمين، وتأخر وصول الشحنات إلى المشترين.

وتزداد خطورة هذه التطورات بالنسبة إلى أوكرانيا، التي تعتمد على صادراتها الزراعية والصناعية في توفير العملات الأجنبية والحفاظ على حركة النشاط الاقتصادي.

كما امتدت الهجمات إلى المستودعات ومراكز التخزين ومراكز التسوق، وهو ما يعرقل انتقال السلع من المنتجين إلى الموزعين ثم المستهلكين.

وتشير كاتيرينا ستيبانينكو، من معهد دراسة الحرب، إلى أن ضرب هذه المنشآت يؤدي إلى اضطراب حركة البضائع وعمليات البيع والتوزيع، ويضعف قدرة الشركات على الاستمرار في ممارسة أنشطتها بصورة طبيعية.

 أزمة الكهرباء تزيد أعباء الشركات الأوكرانية

لا تقتصر الضغوط الروسية على المصانع ومنافذ التصدير، إذ يمثل قطاع الطاقة إحدى الجبهات الرئيسية التي تتأثر بتداعيات الحرب، مع تعرض محطات الكهرباء ومنشآت الطاقة لهجمات تتسبب في انقطاع التيار الكهربائي والمياه والتدفئة.

وتنعكس هذه الأضرار بصورة مباشرة على المصانع والمتاجر ومختلف الأنشطة الخدمية، التي تحتاج إلى إمدادات مستقرة من الكهرباء لمواصلة العمل والإنتاج.

وتزداد الأزمة تعقيداً مع تعرض بعض محطات الطاقة لأضرار جسيمة تجعل إصلاحها غير ممكن، وفقاً لما أورده التقرير، كما امتدت الهجمات إلى مناطق لم تكن تتعرض للاستهداف بالمعدلات نفسها في السابق، ومن بينها مدينة ريفني الواقعة غرب أوكرانيا، الأمر الذي يوسع نطاق المنشآت التي تحتاج إلى الحماية وأعمال الإصلاح.

وتتحمل الشركات خسائر متعددة نتيجة انقطاع الكهرباء، تبدأ من توقف الإنتاج خلال ساعات انقطاع التيار، ولا تنتهي عند زيادة الاعتماد على مصادر الطاقة البديلة وارتفاع نفقات التشغيل، إلى جانب تأخر تسليم الطلبات واحتمالات انخفاض الإيرادات.

كما يؤدي انقطاع المياه والتدفئة إلى زيادة الأعباء المعيشية على الأسر، ويرفع في الوقت نفسه احتياجات الإنفاق الحكومي لتوفير الدعم والخدمات الأساسية.

وفي العاصمة كييف، أفادت السلطات المحلية بأن نحو 40% من المباني لم تكن تتوافر بها خدمات التدفئة حتى يوم السبت، مع اقتراب فصل الشتاء، وهو ما يثير مخاوف من تفاقم الاضطرابات الاقتصادية خلال الأشهر المقبلة، خاصة إذا تزامنت موجات البرد مع استمرار الأضرار التي لحقت بشبكات الطاقة.

ومن العوامل التي تزيد من تأثير الهجمات على الاقتصاد الأوكراني توقيت تنفيذها، إذ لاحظ محللون ارتفاع وتيرة الضربات خلال ساعات النهار، ما يؤدي إلى إطلاق إنذارات الغارات الجوية وإجبار بعض المؤسسات الحكومية والشركات على وقف العمل مؤقتاً.

وتؤدي هذه الإجراءات إلى تقليص ساعات التشغيل اليومية، بما ينعكس على حجم الإنتاج والمبيعات، ويضيف مزيداً من الأعباء إلى الشركات التي تواجه بالفعل صعوبات في ظل استمرار الحرب.

 الأسر الأوكرانية تواجه ضغوطاً مالية متزايدة

تمتد التداعيات الاقتصادية للحرب إلى الأوضاع المعيشية للأسر، خاصة في المناطق الجنوبية والشرقية من أوكرانيا، حيث يواجه السكان تحديات متزايدة في الحفاظ على مصادر دخلهم وتوفير احتياجاتهم الأساسية.

وخلص تقرير صادر عن لجنة الإنقاذ الدولية إلى أن تزايد الضغوط المالية يدفع بعض المدنيين إلى مغادرة منازلهم، بينما يضطر آخرون إلى المخاطرة بمواصلة العمل من أجل تأمين دخل يساعدهم على مواجهة الأعباء المعيشية.

وفي استطلاع شمل مئات الأسر بمنطقة ميكولايف، قال 91% من المشاركين إنهم بحاجة عاجلة إلى مساعدات مالية، بينما وصلت النسبة إلى 42% بين الأسر التي شملها الاستطلاع في منطقة دنيبروبتروفسك.

وتكشف هذه النتائج عن أن الأزمة تجاوزت نقص السلع والخدمات الأساسية، لتشمل تراجع قدرة الأسر على سداد الفواتير ومواصلة أنشطتها الاقتصادية وتلبية احتياجاتها اليومية.

كما اضطر بعض المزارعين إلى مواصلة العمل في أراضٍ ملوثة بالألغام، رغم المخاطر التي تهدد حياتهم، للحفاظ على مصدر دخلهم، بحسب التقرير.

 فاتورة الحرب تضغط على الدول الأوروبية الداعمة لكييف

لا تتوقف الأعباء الناتجة عن استهداف القطاعات الاقتصادية عند حدود أوكرانيا، إذ من المتوقع أن يؤدي تزايد الأضرار إلى رفع احتياجات البلاد من المساعدات المالية والإنفاق على إعادة تأهيل البنية التحتية وتعويض الخسائر، وهو ما يضيف ضغوطاً جديدة على الدول الأوروبية الداعمة لكييف.

وفي الوقت الذي تتابع فيه الأسواق والمستثمرون تطورات محادثات السلام، تتزايد المخاوف من أن يؤدي تراكم الأضرار في قطاعات الطاقة والصناعة والنقل والتجارة إلى إضعاف قدرة الاقتصاد الأوكراني على التعافي، حتى إذا تراجعت حدة العمليات العسكرية.

فإعادة تشغيل المصانع المتوقفة، واستعادة القدرة على تصدير المنتجات، وإصلاح شبكات الكهرباء والمنشآت المتضررة، جميعها عمليات تحتاج إلى استثمارات كبيرة وفترات زمنية طويلة.

وبالتالي، فإن التداعيات الاقتصادية للحرب قد تظل حاضرة لفترة طويلة بعد توقف الهجمات، في ظل حجم الأضرار التي لحقت بمصادر الإنتاج والدخل والبنية التحتية، وما تفرضه من احتياجات تمويلية لإعادة بناء الاقتصاد الأوكراني.