الأحد 08 نوفمبر 2026
رئيس التحرير
عمرو عامر
رئيس التحرير
عمرو عامر
تحليل

من غسل الأدوات الزجاجية إلى قيادة شركة بـ30 مليار دولار.. 5 دروس في النجاح من جيك ليتش

الأحد 08/نوفمبر/2026 - 03:28 م
جيك ليتش
جيك ليتش

من وظيفة بسيطة داخل أحد المختبرات، لم يكن أجرها يتجاوز 10 دولارات في الساعة، إلى منصب الرئيس التنفيذي لشركة تكنولوجيا طبية تقترب قيمتها السوقية من 30 مليار دولار، هكذا تحولت رحلة الأمريكي جيك ليتش إلى واحدة من التجارب المهنية الملهمة، بعدما نجح في الوصول إلى قيادة شركة «ديكسكوم» (Dexcom)، المتخصصة في تطوير أجهزة المراقبة المستمرة لمستويات الجلوكوز في الدم.

وتكشف مسيرة ليتش أن البداية المهنية المتواضعة لا تعني بالضرورة محدودية المستقبل، وأن التعلم المستمر والمبادرة وتحمل المسؤولية قد تفتح أمام الموظف فرصًا تتجاوز حدود وظيفته الأولى.

من غسل الأدوات الزجاجية إلى عالم التكنولوجيا الطبية

بدأت رحلة ليتش المهنية خلال تسعينيات القرن الماضي، عندما كان يبحث عن عمل يساعده على تمويل دراسته الجامعية في ولاية كاليفورنيا، وحصل على فرصة للعمل داخل شركة «ميني ميد» (MiniMed)، المتخصصة في تصنيع مضخات الأنسولين، بعدما عرضت عليه صديقة من أيام الدراسة أن يحل محلهـا في الوظيفة عقب انتهاء تدريبها الصيفي.

لم تكن الوظيفة تتطلب خبرة هندسية أو مؤهلات متخصصة، إذ اقتصرت مهامه على تنظيف الأكواب والقوارير الزجاجية داخل المختبر، مقابل 10 دولارات في الساعة، لكنها كانت بوابته الأولى إلى صناعة الأجهزة الطبية، التي أصبحت مجال عمله طوال مسيرته المهنية.

ونشأ ليتش في أسرة محدودة الدخل بوادي سان فرناندو في كاليفورنيا، حيث عمل والده في صيانة مرافق إحدى المدارس الكاثوليكية، بينما عملت والدته لاحقًا مساعدة للمعلمين.

ومنذ طفولته، تعلم قيمة الاجتهاد والاعتماد على النفس، فعندما أراد شراء دراجة هوائية بقيمة 350 دولارًا، قرر العمل خلال العطلة الصيفية في غسل السيارات مقابل دولارين للسيارة، حتى تمكن من ادخار المبلغ وشراء الدراجة التي كان يحلم بها.

ويؤكد ليتش أن هذه التجربة علمته أن العمل الجاد والمثابرة يساعدان الإنسان على الاقتراب من أهدافه، حتى عندما لا تكون النتائج مضمونة.

كيف تشكل شغفه بالهندسة والأجهزة الطبية؟

كان لجده لأمه تأثير كبير في تشكيل اهتماماته العلمية والهندسية، إذ اصطحبه خلال أعمال السباكة والكهرباء وصيانة المنازل، ما ساعده على التعرف مبكرًا على أساسيات التوصيلات الكهربائية.

وبحلول سن العاشرة، أصبح لديه فضول واضح تجاه الأجهزة والتكنولوجيا، وبدأ في تفكيك أجهزة الفيديو القديمة وتجربة صناعة الصواريخ.

كما ارتبط اهتمامه بالهندسة الطبية بتجربة عائلية مؤثرة، بعدما تعرض جده لمشكلة صحية خطيرة انتهت باكتشاف إصابته بمرض السكري، واضطراره إلى استخدام الأنسولين طوال حياته، وهو ما جعله أكثر ارتباطًا بالتقنيات التي تساعد مرضى السكري على متابعة حالتهم الصحية.

من كلية مجتمعية إلى قيادة شركة عالمية

لم يبدأ ليتش تعليمه الجامعي في إحدى الجامعات الأميركية الكبرى، بل التحق بكلية غلينديل المجتمعية، قبل انتقاله إلى جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، حيث درس الهندسة الكهربائية، مع تخصص فرعي في الهندسة الطبية الحيوية.

وأصبح أول فرد في أسرته يحصل على شهادة جامعية مدتها أربع سنوات، بالتزامن مع تطور مسيرته المهنية داخل شركة «ميني ميد»، التي انتقل فيها من العمل البسيط إلى وظيفة بدوام كامل، واستمر بها نحو 7 سنوات، شهدت استحواذ شركة «ميدترونيك» عليها عام 2001.

وفي عام 2004، اتخذ ليتش خطوة مهنية مهمة بالانتقال إلى شركة «ديكسكوم»، التي كانت آنذاك شركة ناشئة لا يتجاوز عدد العاملين بها نحو 30 موظفًا.

ورغم ارتفاع راتبه السنوي من 45 ألف دولار إلى 95 ألف دولار، فإن القرار حمل مخاطرة مهنية، إذ انتقل من شركة مستقرة إلى كيان صغير يواجه تحديات النمو والتوسع والمنافسة.

22 عامًا من العمل دون طلب ترقية

شارك ليتش في تطوير الأنظمة التجارية الأولى لشركة «ديكسكوم» الخاصة بالمراقبة المستمرة للجلوكوز، ومع مرور السنوات، تولى مسؤوليات أكبر داخل الشركة، حتى أصبح رئيسًا تنفيذيًا للتكنولوجيا عام 2018، ثم رئيسًا تنفيذيًا للعمليات عام 2022.

وفي يناير 2026، وصل إلى قمة الهرم الإداري بتوليه منصب الرئيس التنفيذي، خلفًا لكيفن ساير، بعد أكثر من 22 عامًا قضاها داخل الشركة.

ومن أبرز الجوانب اللافتة في تجربته أنه لم يطلب ترقية وظيفية طوال مسيرته داخل «ديكسكوم»، إذ ركز على حل المشكلات والمشاركة في تطوير المنتجات وتحمل مسؤوليات إضافية، بدلًا من انتظار الانتقال إلى منصب أعلى.

ويبلغ راتبه الأساسي السنوي في منصبه الجديد نحو 1.15 مليون دولار، مقارنة بأجره الأول الذي لم يتجاوز 10 دولارات في الساعة.

وتزامن صعوده المهني مع توسع «ديكسكوم» وتحولها إلى شركة تحقق إيرادات بمليارات الدولارات، إذ سجلت إيرادات بلغت 4.66 مليار دولار خلال عام 2025، ونحو 3.84 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026.

وتقترب القيمة السوقية للشركة من 30 مليار دولار، وهي قيمة تعكس تقييم المستثمرين للشركة المدرجة في البورصة، ولا تمثل ثروة شخصية للرئيس التنفيذي.

5 نصائح مهنية من جيك ليتش للشباب

يوجه ليتش مجموعة من الدروس المهنية، خصوصًا إلى أفراد الجيل زد، تقوم على أهمية المبادرة وعدم انتظار الفرص أو الترقيات، ويمكن تلخيص أبرزها في 5 نصائح:

1. لا تستهِن بالبدايات: الوظيفة الأولى، مهما كانت بسيطة، يمكن أن تكون مدخلًا لاكتساب الخبرة والتعرف على مجالات جديدة.

2. ابحث عن فرص التعلم: اكتساب المهارات والخبرات بصورة مستمرة يساعد على الاستعداد لتحمل مسؤوليات أكبر مستقبلًا.

3. بادر بتحمل المسؤولية: لا تنتظر تكليفك بكل مهمة، بل تطوع للمشاركة في حل المشكلات وتولي مهام إضافية.

4. فكر في نجاح المؤسسة: لا تجعل تركيزك مقتصرًا على إنجاز مهامك الشخصية، بل اهتم بنجاح فريق العمل والشركة ككل.

5. لا تجعل الترقية هدفك الوحيد: ركز على تطوير أدائك وإضافة قيمة حقيقية للعمل، فالتقدم المهني قد يأتي نتيجة طبيعية لما تقدمه من إنجازات.

وتقدم تجربة جيك ليتش رسالة مهمة للشباب والباحثين عن النجاح المهني، مفادها أن الوظيفة التي يبدأ منها الإنسان لا تحدد بالضرورة المنصب الذي يمكن أن يصل إليه، فالفارق الحقيقي تصنعه القدرة على التعلم، والمبادرة، وتحمل المسؤولية، واستثمار الفرص المتاحة.