روسيا تطور سلاحاً فضائياً جديداً لمواجهة ستارلينك.. هل تغير شبكة «راستفيت» مسار حرب أوكرانيا؟
تتحرك روسيا نحو بناء منظومة اتصالات فضائية مستقلة، في محاولة لتقليص اعتماد قواتها على شبكة «ستارلينك» الأمريكية، وامتلاك قدرات تكنولوجية تساعدها على إدارة الطائرات المسيّرة وتوجيهها لمسافات بعيدة، في تطور قد يضيف بُعداً جديداً للمواجهة العسكرية مع أوكرانيا، ويثير مخاوف من اتساع نطاق استخدام هذه التكنولوجيا في الصراعات المستقبلية.
وتعمل موسكو على تطوير مشروع «راستفيت»، الذي يستهدف إنشاء شبكة من الأقمار الصناعية في المدار الأرضي المنخفض، مدعومة بمحطات أرضية وأجهزة اتصال، لتوفير خدمات الإنترنت والاتصالات الآمنة.
ولا يقتصر الهدف من المشروع على تقديم خدمة اتصالات بديلة، إذ تبرز أهميته العسكرية في إمكانية نقل البيانات والتحكم في الطائرات المسيّرة بصورة مباشرة، بما يمنح القوات الروسية قدرة أكبر على تنفيذ عمليات الاستطلاع والهجوم.
وتشير تقديرات محللين إلى إمكانية بدء تشغيل الشبكة خلال عام 2027، غير أن المشروع لا يزال يواجه عقبات تتعلق بتأخر إطلاق الأقمار الصناعية، وصعوبة توفير التكنولوجيا والمكونات اللازمة، وهو ما يثير تساؤلات بشأن قدرة روسيا على الوصول إلى التشغيل الكامل في الموعد المحدد.
«راستفيت».. شبكة اتصالات قد تعزز قدرات الطائرات المسيّرة
تكمن الأهمية العسكرية للمنظومة الروسية الجديدة في قدرتها المحتملة على نقل بيانات الطائرات المسيّرة والتحكم فيها لحظياً، الأمر الذي قد يسمح بتشغيلها على مسافات أبعد، وملاحقة الأهداف المتحركة واستهدافها، فضلاً عن توفير معلومات تحديد المواقع والتوجيه لأنظمة الصواريخ، وفقاً لما نقلته تقارير عن الاستخبارات العسكرية الأوكرانية.
وفي هذا الإطار، حذر أولكسندر دانيليوك، المستشار الأوكراني السابق لشؤون الدفاع والاستخبارات ورئيس مركز إصلاحات الدفاع، في تصريحات لصحيفة «فاينانشال تايمز»، من أن خطورة المشروع لا تتوقف عند امتلاك روسيا شبكة اتصالات تنافس «ستارلينك»، بل تتمثل أيضاً في إمكانية تحويل الطائرات المسيّرة الهجومية منخفضة التكلفة إلى أسلحة أكثر تطوراً، تستطيع تحديد الأهداف المتحركة وتعقبها وضربها في مناطق بعيدة داخل الأراضي الأوكرانية.
وأضاف أن التوسع الروسي في إنتاج الطائرات المسيّرة، بالتزامن مع تطوير شبكة اتصالات قادرة على دعم عملياتها، قد يؤدي إلى زيادة دقة وفاعلية الهجمات، ويضعف قدرة أوكرانيا على حماية المنشآت العسكرية والمدنية الحيوية.
ولا تتعلق المخاوف بمجرد زيادة مدى الطائرات المسيّرة، بل بامتلاكها وسائل اتصال أكثر استقراراً، تتيح نقل الصور والبيانات من مناطق العمليات إلى المشغلين، مع تقليل تأثير بعض وسائل التشويش التقليدية.
لماذا تسعى روسيا إلى امتلاك بديل لـ«ستارلينك»؟
كشفت المراحل الأولى من الحرب الروسية الأوكرانية عن الدور المحوري للاتصالات الميدانية في إدارة العمليات العسكرية وتنسيق تحركات القوات، بعدما واجهت موسكو صعوبات في توفير اتصالات مستقرة لقواتها خلال الأسابيع الأولى من الغزو.
وتزايدت حاجة روسيا إلى منظومة مستقلة مع بداية عام 2026، بعدما عطلت شركة «سبيس إكس» أجهزة اتصال غير مسجلة كانت القوات الروسية تستخدمها بصورة غير قانونية، ما أظهر مدى اعتماد بعض العمليات على خدمات اتصالات لا تملك موسكو السيطرة عليها.
وفي المقابل، استفادت القوات الأوكرانية من شبكة «ستارلينك»، إلى جانب النسخة العسكرية «ستارشيلد»، في تشغيل الطائرات المسيّرة التي يتحكم فيها مشغلوها يدوياً، وتنفيذ هجمات على مسافات بعيدة داخل المناطق الخاضعة للسيطرة الروسية.
وساعدت هذه الشبكة القوات الأوكرانية على استمرار الاتصال ونقل البيانات، مع تجاوز بعض أساليب التشويش التقليدية، وهو ما جعل امتلاك قدرة مماثلة أحد الأهداف التي تسعى روسيا إلى تحقيقها.
ويرى خبراء أن موسكو تحتاج بصورة خاصة إلى تكنولوجيا تتيح نقل الفيديو المباشر بزمن تأخير منخفض، بما يسمح لمشغلي الطائرات المسيّرة بمتابعة تحركات الأهداف والتعامل معها أثناء تنفيذ المهام الهجومية والاستطلاعية.
لكن تداعيات المشروع المحتملة قد تتجاوز حدود الحرب الأوكرانية، إذ حذر روب لي، الخبير العسكري في معهد أبحاث السياسة الخارجية، من أن اتساع نطاق تغطية الشبكة قد يتيح استخدام الطائرات المسيّرة في مناطق أخرى، بما يثير مخاطر تتعلق بعمليات التخريب والأنشطة الإرهابية.
من مشروع مدني إلى أولوية استراتيجية لروسيا
لم يبدأ مشروع «راستفيت» باعتباره منظومة عسكرية، بل انطلق عام 2020 كمبادرة مدنية تستهدف توفير خدمات الإنترنت للمناطق النائية داخل روسيا، قبل أن تتغير أولوياته ويتحول إلى مشروع يحمل أهمية استراتيجية وعسكرية متزايدة.
وتتولى شركة «مكتب 1440» الخاصة تطوير الشبكة، بدعم من الحكومة الروسية، التي تعهدت في عام 2025 بتمويل 40% من التكلفة الإجمالية المقدرة للمشروع بنحو 514.7 مليار روبل، بما يعادل 6.2 مليار دولار.
وتكشف قيمة التمويل عن حجم الرهان الروسي على امتلاك بنية اتصالات فضائية محلية، تستطيع توفير خدمات الإنترنت والاتصال بعيداً عن الاعتماد على المنظومات الأجنبية، إلى جانب دعم الاحتياجات العسكرية المتزايدة.
وأطلقت الشركة حتى الآن 32 قمراً صناعياً مخصصاً للمشروع، لكنها فقدت اثنين منها، وهو عدد لا يزال أقل كثيراً من المستهدف، إذ تخطط روسيا لتشغيل أكثر من 250 قمراً صناعياً بحلول عام 2027، على ارتفاع يقترب من 800 كيلومتر.
ويعني ذلك أن موسكو لا تزال أمامها مرحلة طويلة لاستكمال البنية الفضائية اللازمة، خاصة أن تشغيل شبكة اتصالات واسعة لا يعتمد على إطلاق الأقمار الصناعية فقط، وإنما يتطلب توفير عدد كافٍ منها لضمان استمرار الاتصال وتغطية مناطق العمليات.
قيود تشغيلية تهدد الجدول الزمني للمشروع
رغم التقدم الذي حققته روسيا في إطلاق أقمار «راستفيت»، فإن الشبكة لا تزال محدودة من حيث القدرة التشغيلية، إذ تشير تقديرات خبراء إلى أنها تستطيع توفير اتصال لمدة تصل إلى ثلاث ساعات يومياً، بينما لا تتجاوز فترة الاتصال المتواصلة نحو 50 دقيقة.
وأفادت الاستخبارات العسكرية الأوكرانية بأن روسيا استخدمت المنظومة فوق الأراضي الأوكرانية لعدة ساعات بحلول أواخر يوليو، إلا أن هذه المدة لا تزال غير كافية لتلبية متطلبات العمليات العسكرية الميدانية بصورة فعالة وعلى نطاق واسع.
وتعود إحدى أبرز المشكلات التقنية إلى طبيعة حركة الأقمار الصناعية في المدار الأرضي المنخفض، حيث تتحرك باستمرار بالتزامن مع دوران الأرض، ما يجعل استمرار الاتصال بالطائرة المسيّرة أمراً يتطلب وجود عدد كافٍ من الأقمار التي تستطيع نقل الإشارة فيما بينها دون انقطاع.
وفي هذا السياق، أوضح أناتولي زاك، المتخصص في شؤون الفضاء ومؤسس موقع «روسيا سبيس ويب»، أن التحكم في الطائرات المسيّرة يحتاج إلى شبكة قادرة على تمرير الإشارات بين الأقمار الصناعية بصورة مستمرة، وليس مجرد وجود أقمار فوق منطقة العمليات.
وبالتالي، فإن زيادة عدد الأقمار الصناعية تمثل شرطاً أساسياً لتحويل المشروع من منظومة محدودة الاتصال إلى شبكة قادرة على دعم عمليات عسكرية ممتدة.
الاعتماد على التكنولوجيا الصينية يعرقل طموحات موسكو
إلى جانب التحديات المرتبطة بالإطلاق والتشغيل، تواجه روسيا عقبة أخرى تتعلق بمدى قدرتها على توفير المكونات الإلكترونية والتكنولوجيا اللازمة لتطوير الأقمار الصناعية، في ظل القيود المفروضة على وصولها إلى عدد من التقنيات الغربية.
ويعتمد المشروع جزئياً على مكونات وتكنولوجيا أجنبية، خصوصاً القادمة من الصين، رغم إعلان الشركة المطورة أنها تحاول استخدام مكونات إلكترونية محلية كلما كان ذلك متاحاً.
ويشكك بافيل لوزين، الباحث البارز في مركز تحليل السياسات الأوروبية، في إمكانية وصول روسيا إلى التشغيل الكامل للشبكة خلال فترة قصيرة، مشيراً إلى أن المشروع يحتاج إلى ما لا يقل عن 16 أو 17 عملية إطلاق إضافية، وهو ما اعتبره هدفاً صعب التحقيق بحلول نهاية عام 2027.
وتكشف بيانات مركز إصلاحات الدفاع عن حجم ارتباط المشروع بالموردين الأجانب، إذ أجرت شركة «مكتب 1440» مدفوعات بالعملات الأجنبية لمورديها بقيمة تقارب 68 مليون دولار خلال عام 2025، وكان عدد كبير من هؤلاء الموردين مرتبطاً بالصين.
كما أشار المركز إلى سفر عشرات الموظفين التابعين للشركة إلى الصين، بما في ذلك زيارة مراكز متخصصة في مجالات الفضاء والتصنيع، وهو ما يعكس أهمية التعاون التكنولوجي الخارجي في تنفيذ المشروع الروسي.
ولا تقتصر المشكلة على توفير المكونات، بل تمتد إلى القيود التي قد تفرضها العقوبات الغربية على سلاسل الإمداد، غير أن هذه العقوبات لا تغطي جميع الشركات التي تزود المشروع باحتياجاته.
ووفقاً لبيانات مركز إصلاحات الدفاع، يخضع خمسة موردين فقط من بين 21 مورداً أساسياً للمشروع للعقوبات الغربية، ما يتيح للشركات الروسية البحث عن موردين بدلاء عند إدراج إحدى قنوات التوريد ضمن قوائم الحظر.
هل يمكن تعطيل شبكة «راستفيت» بعد تشغيلها؟
يثير تطور المشروع مخاوف أمنية تتعلق بمدى إمكانية الحد من استخدام الشبكة الروسية في حال اكتمالها، خاصة أن التعامل مع الأقمار الصناعية في المدار يختلف عن استهداف المنشآت الأرضية أو تعطيل شبكات الاتصالات التقليدية.
فمحاولات التشويش على الأقمار الصناعية قد تكون مكلفة ومحدودة النطاق، بينما قد يؤدي تدميرها إلى انتشار كميات من الحطام الفضائي، بما يشكل تهديداً للأقمار الأخرى والمنظومات العاملة في المدار.
وحذر فيتالي إيغوروف، الخبير الروسي في شؤون الفضاء، من أن إسقاط الأقمار الصناعية قد يمثل خطراً على جميع الأطراف، بسبب الحطام الناتج عن تدميرها وما يمكن أن يسببه من أضرار للأنظمة الفضائية الأخرى.
وتضع هذه المخاطر أي محاولات لتعطيل الشبكة أمام حسابات تقنية وأمنية معقدة، خاصة إذا أصبحت جزءاً من منظومة اتصالات عسكرية تعتمد عليها عمليات الطائرات المسيّرة وأنظمة التوجيه.
بوتين يراهن على الفضاء لتعزيز القدرات العسكرية
وصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مشروع «راستفيت» بأنه خطوة مهمة في تطوير قدرات بلاده الفضائية، في إشارة إلى الأهمية التي توليها موسكو لهذا المشروع ضمن خططها لتقليل الاعتماد على التكنولوجيا الأجنبية.
لكن الانتقال من إطلاق عدد محدود من الأقمار الصناعية إلى تشغيل شبكة متكاملة يظل تحدياً كبيراً، في ظل الحاجة إلى استكمال عمليات الإطلاق، وتوفير المكونات الإلكترونية، وتطوير تقنيات نقل الإشارة بين الأقمار، وضمان استمرار الاتصال دون انقطاع.
وبينما تراهن روسيا على أن تمنحها الشبكة الجديدة قدرة أكبر على إدارة الطائرات المسيّرة وتنفيذ العمليات العسكرية بعيدة المدى، فإن نجاح المشروع سيظل مرتبطاً بقدرتها على تجاوز العقبات التقنية والتمويلية والاعتماد على الموردين الأجانب.
وفي حال تمكنت موسكو من تشغيل «راستفيت» بكامل طاقتها، فقد تتحول الشبكة إلى عنصر مؤثر في موازين الاتصالات العسكرية، وتزيد من قدرات الطائرات المسيّرة على تنفيذ مهام أكثر تعقيداً، بما يفتح جبهة جديدة من المنافسة التكنولوجية في الحرب الروسية الأوكرانية.
