الممرات التجارية التي صنعت ثروة سنغافورة تتحول إلى تهديد لاقتصادها.. ما القصة؟
تعتمد سنغافورة في جانب كبير من ازدهارها الاقتصادي على موقعها الاستراتيجي عند أحد أهم الممرات البحرية للتجارة العالمية، لكن هذا الموقع الذي منحها الثروة والنفوذ يضعها أيضًا أمام مخاطر متزايدة، مع تصاعد التوترات الدولية واعتمادها على جيران أكبر حجمًا في تأمين احتياجاتها من الطاقة.
ويكشف المشهد من أعلى فندق «مارينا باي ساندز» في سنغافورة جانبًا من هذه المعادلة، ففي المقدمة تظهر السفن التي تعبر الممرات البحرية المحيطة بالدولة، بينما يلوح ساحل إندونيسيا في الأفق، بما يعكس قرب سنغافورة من جيران يمتلكون مساحات وموارد وسكانًا يفوقون قدراتها بكثير.
وتزداد أهمية هذه العلاقات في ظل الضغوط التي تواجهها سنغافورة حاليًا، سواء بسبب التوترات التجارية أو اعتمادها على إمدادات الطاقة القادمة من الدول المجاورة.
حرائق إندونيسيا تهدد سنغافورة
خلال الأسابيع الأخيرة، حجب الضباب الدخاني الكثيف أجزاء من سماء سنغافورة، بعدما انتقل من حرائق الغابات في جزيرتي بورنيو وسومطرة الإندونيسيتين عبر المسطح المائي الفاصل بين البلدين.
وسبق أن أصدرت سنغافورة قوانين لمواجهة هذه الظاهرة المتكررة، التي تمثل تهديدًا للصحة العامة، لكنها واجهت صعوبات في تطبيقها بسبب خلافات مع إندونيسيا.
وبعد أيام من إعلان سنغافورة اتخاذ إجراءات بحق 10 شركات إندونيسية على خلفية الحرائق التي اندلعت خلال الشهر، بدأت جاكرتا خفض إمدادات الغاز الطبيعي إلى سنغافورة عبر خطوط الأنابيب.
خفض إمدادات الغاز يثير تساؤلات حول أمن الطاقة
قد لا يمثل قرار خفض إمدادات الغاز تصعيدًا سياسيًا بالضرورة، فقد اتجهت سنغافورة خلال السنوات الماضية إلى زيادة اعتمادها على الغاز الطبيعي المسال، بدلًا من الغاز المنقول عبر الأنابيب من ماليزيا وإندونيسيا.
وجاء هذا التوجه تحسبًا لزيادة احتياجات البلدين من مواردهما المحلية مع نمو اقتصاديهما.
كما اكتمل قبل أسابيع خط أنابيب رئيسي يسمح لإندونيسيا بتوجيه الغاز إلى سوقها المحلية، وتقل الصادرات المتأثرة إلى سنغافورة عن 2% من إجمالي الطلب اليومي.
لكن تصريحات وزير توزيع الطاقة الإندونيسي أثارت مخاوف بشأن مستقبل الإمدادات، بعدما حذر الدول المجاورة من أن إزعاج بلاده قد يدفعها إلى وقف صادرات الطاقة إليها، ودعاها إلى توخي الحذر.
وتكشف هذه التطورات عن أحد مواطن الضعف في النموذج الاقتصادي السنغافوري، الذي يعتمد على استمرار انسياب التجارة وتدفق الموارد عبر الحدود.
كيف أصبحت سنغافورة مركزًا للتجارة العالمية؟
على مدى أكثر من قرنين، بنت سنغافورة مكانتها بوصفها ميناءً حرًا ومركزًا للتجارة الدولية، مستفيدة من تراجع العوائق أمام حركة البضائع عبر الممرات البحرية الحيوية.
وأسس البريطانيون سنغافورة بهدف الحد من نفوذ الهولنديين في جزيرة جاوة، ثم أعادت مشروعات بناء الدولة خلال عقدي الستينيات والسبعينيات توظيف الموقع الجغرافي للمدينة، وتحويلها إلى مركز رئيسي في شبكات التجارة العالمية.
وامتد هذا الدور إلى أنشطة متعددة، شملت تكرير النفط وشحن الحاويات وخدمات الطيران لمسافات طويلة.
ورغم هذا النمو، ظلت سنغافورة تدرك تأثير جيرانها الأكبر حجمًا على الممرات الحيوية المحيطة بها.
وعندما انفصلت سياسيًا عن ماليزيا عام 1965، ظهرت مخاوف من احتمال قطع إمدادات المياه عنها، وردت سنغافورة بتنفيذ برنامج استثماري لتطوير محطات تحلية المياه وإعادة تدويرها وتجميعها، إلى جانب بناء الخزانات، ما منحها قدرة على تأمين احتياجاتها من المياه خلال الأزمات.
لكن تأمين الطاقة يظل أكثر تعقيدًا، إذ يمكن أن تتعرض إمدادات الغاز الطبيعي المسال للانقطاع في حال فرض حصار بحري على الممرات التي تعبرها ناقلات الطاقة.
الطاقة النووية والشمسية أمام تحديات جغرافية
بحثت سنغافورة خيار الطاقة النووية على مدى سنوات، لكنه يواجه تحديات مرتبطة بمساحتها المحدودة وكثافتها السكانية.
فمعظم أراضي الدولة تقع داخل نطاق الإخلاء الإلزامي البالغ 20 كيلومترًا، وهو النطاق الذي حُدد عقب كارثة محطة فوكوشيما دايتشي النووية في اليابان.
وفي المقابل، تستهدف الخطط الحكومية تركيب ألواح شمسية بقدرة 4 جيجاواط بحلول عام 2035.
ورغم أهمية هذه الخطوة، فإن الألواح الشمسية المصنوعة من السيليكون والزجاج قد تغطي نحو 5% من مساحة سنغافورة، لكنها لن توفر سوى نحو عُشر احتياجاتها من الكهرباء.
وتعمل الدولة أيضًا على تطوير مشروعات للطاقة المتجددة ومد خطوط لنقل الكهرباء مع دول في المنطقة، تشمل فيتنام ولاوس وكمبوديا وماليزيا وإندونيسيا، إلى جانب أستراليا.
وتهدف هذه المشروعات إلى تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على مورد واحد، لكنها تظل معرضة لاحتمالات الانقطاع إذا قررت الدول المصدرة وقف الإمدادات.
سنغافورة تراهن على شبكة إقليمية لتوزيع المخاطر
يمكن النظر إلى الدور الذي تؤديه سنغافورة في بناء شبكة الكهرباء الإقليمية داخل رابطة دول جنوب شرق آسيا باعتباره محاولة لتوزيع المخاطر من خلال تعزيز الاعتماد المتبادل بين الدول.
ويقوم هذا التصور على أن تشابك المصالح الاقتصادية والتجارية يجعل استمرار التعاون مفيدًا لجميع الأطراف.
ففي عالم يقوم على التجارة المفتوحة والتعددية، تستطيع الدول البحرية الصغيرة تحقيق ثروات من خلال موقعها في حركة البضائع ورؤوس الأموال والخدمات.
لكن هذا النموذج يحتاج إلى نظام دولي يحمي حرية التجارة ويضمن عدم استخدام الممرات الحيوية وسلاسل الإمداد أدوات للضغط السياسي.
تجربة البندقية تكشف مخاطر الاعتماد على التجارة
استلهم مؤسسو سنغافورة الحديثة جانبًا من تجربة البندقية، التي اعتمدت لقرون على موقعها التجاري البحري لتحقيق الثروة والنفوذ.
لكن تاريخ البندقية يكشف أن الازدهار التجاري لا يوفر حماية كافية أمام تغير موازين القوى.
فمع تراجع النظام التجاري الأوروبي وصعود القوميات والجيوش الكبرى، لم تتمكن ثروة البندقية من حمايتها من القوى المحيطة بها.
وفي عام 1797، أنهى نابليون جمهورية البندقية التي استمر وجودها نحو ألف عام، ثم خضعت المدينة لعقود من السيطرة الفرنسية والنمساوية، قبل أن تصبح جزءًا من الدولة الإيطالية الحديثة عام 1866.
وتثير هذه التجربة تساؤلات بشأن مستقبل سنغافورة، في ظل التحولات التي يشهدها النظام التجاري العالمي.
صراع الممرات التجارية يهدد نموذج سنغافورة الاقتصادي
تتجه العلاقات الدولية نحو منافسة متزايدة على السيطرة على الممرات والموارد الحيوية، بما يشمل الرقائق الإلكترونية والمعادن الاستراتيجية والملكية الفكرية والتدفقات التجارية.
وتستخدم القوى الكبرى نفوذها في هذه المجالات لتحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية والضغط على المنافسين.
ويعكس الصراع الدائر بشأن مضيق هرمز هذا الاتجاه، مع تزايد المخاطر التي تواجه حركة التجارة والطاقة عبر الممرات البحرية.
ومع ارتفاع الحواجز أمام التجارة والهجرة وتدفقات رؤوس الأموال، تواجه الموانئ الحرة، ومن بينها سنغافورة، تحديات تتجاوز قدرتها على التحكم في محيطها الإقليمي.
لي كوان يو حذر من سيطرة القوى الكبرى على الممرات البحرية
عبّر لي كوان يو، مؤسس سنغافورة الحديثة، عن مخاوفه من غياب النظام الدولي الذي يحمي الدول الصغيرة.
وقال في مقابلة عام 2007 إن سنغافورة لم يكن لها أن تستمر إذا ساد منطق القوة، بحيث يسيطر القوي على الضعيف، والضعيف على من هو أضعف منه.
وأضاف متسائلًا عن احتمال فرض حصار على بلاده أو خضوع الممرات البحرية للسيطرة، محذرًا من أن ذلك قد يؤدي إلى تجويع سنغافورة.
وتضع هذه المخاوف صناع القرار في سنغافورة أمام تحدٍ يتعلق بالحفاظ على نموذجها الاقتصادي، وتنويع مصادر الطاقة، وتأمين طرق التجارة، في وقت تتزايد فيه المنافسة بين القوى الكبرى.
ويأمل خلفاء لي كوان يو أن تكون التوترات الحالية مرحلة مؤقتة، لا بداية لتحول دائم في النظام العالمي الذي قامت عليه مكانة سنغافورة الاقتصادية.
