تجمع فيشجراد.. كيف تستفيد مصر من بوابة أوروبا الوسطى لجذب الاستثمارات ونقل التكنولوجيا؟
تسعى مصر إلى توسيع شراكاتها الاقتصادية مع دول وسط أوروبا، مستفيدة من الإمكانات الصناعية والتكنولوجية التي تمتلكها دول مجموعة فيشجراد، التي تضم المجر وبولندا والتشيك وسلوفاكيا، في خطوة تستهدف جذب استثمارات جديدة، وزيادة الصادرات، ودعم خطط توطين الصناعة ونقل التكنولوجيا.
واكتسب هذا التوجه اهتمامًا جديدًا عقب تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال لقائه رئيس الوزراء المجري بيتر ماجار، والتي أعرب فيها عن تقديره لرؤية المجر بشأن إحياء المجموعة وتعزيز تعاونها مع دول الجنوب من خلال صيغة «فيشجراد بلس»، مؤكدًا تطلع مصر إلى توسيع التواصل مع دولها وفتح آفاق أوسع للشراكة الاقتصادية والاستثمارية.
مجموعة فيشجراد.. تحالف أوروبي يجمع 4 دول
تأسست مجموعة فيشجراد، المعروفة باسم «V4»، في 15 فبراير 1991، بمشاركة المجر وبولندا والتشيك وسلوفاكيا، بهدف تعزيز التعاون والتنسيق بين الدول الأربع ودعم التحولات السياسية والاقتصادية عقب انتهاء الحرب الباردة.
واستمدت المجموعة اسمها من مدينة فيشجراد المجرية شمال بودابست، حيث استضافت اجتماع القادة الذي شهد تأسيس هذا الإطار الإقليمي. وتطورت لاحقًا لتصبح منصة للتنسيق السياسي والاقتصادي والثقافي وتبادل الخبرات، خاصة أن الدول الأربع أعضاء في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي «الناتو».
الصناعة والطاقة والتكنولوجيا على أجندة التعاون
يتجاوز نشاط المجموعة التنسيق السياسي، ليشمل التجارة والاستثمار والصناعات المتقدمة والطاقة والبحث العلمي والتعليم، إلى جانب التعاون الأمني والعسكري. وتحظى الطاقة النووية باهتمام دولها باعتبارها أحد الخيارات لتنويع مصادر الطاقة وتعزيز أمن الإمدادات.
وتتقاطع هذه المجالات مع أولويات مصر التنموية، خاصة في قطاعات الصناعة والنقل والبنية التحتية والطاقة، بما يتيح فرصًا للاستفادة من الخبرات الأوروبية في تطوير الإنتاج المحلي وجذب استثمارات جديدة.
«فيشجراد بلس».. توسيع الشراكة مع دول الجنوب
تتيح صيغة «فيشجراد بلس» للمجموعة توسيع علاقاتها خارج الدول الأربع، وفتح قنوات تعاون مع دول الجنوب في مجالات التجارة والاستثمار والطاقة والتنمية المستدامة.
وتكتسب مصر أهمية في هذا المسار بفضل موقعها الرابط بين أوروبا وأفريقيا والمنطقة العربية، بما يتيح فرصًا لإقامة مشروعات مشتركة تجمع الشركات المصرية والأوروبية، والاستفادة من الخبرات الصناعية والتكنولوجية لدول المجموعة والإمكانات اللوجستية والتجارية المصرية.
5 قطاعات واعدة للشراكة بين مصر ودول فيشجراد
توفر الدول الأربع، التي يبلغ مجموع سكانها نحو 64 مليون نسمة وفق البيانات الواردة، سوقًا للصادرات المصرية، إلى جانب خبرات صناعية وتكنولوجية يمكن توظيفها في عدد من القطاعات:
الصناعة ونقل التكنولوجيا: التعاون في الصناعات الهندسية والميكانيكية والسيارات والمكونات الصناعية، وجذب استثمارات مشتركة لإقامة مشروعات إنتاجية داخل مصر.
السكك الحديدية والنقل: الاستفادة من الخبرات الأوروبية في تطوير خطوط السكك الحديدية والتشغيل والصيانة، مع إتاحة فرص للتصنيع والتدريب ونقل التكنولوجيا.
الزراعة والري: تبادل الخبرات في الزراعة الحديثة وإدارة الموارد المائية ومعالجة المياه، بما يدعم الأمن الغذائي ويرفع كفاءة استخدام الموارد.
الطاقة: التعاون في الصناعات المرتبطة بالطاقة والتدريب والبحث العلمي، وتبادل الخبرات في الطاقة النووية والمتجددة وتحسين كفاءة الاستخدام.
السياحة والتعليم: زيادة الحركة السياحية المتبادلة، وتوسيع التبادل الأكاديمي والتعاون بين الجامعات ومراكز الأبحاث.
محطات رئيسية في العلاقات المصرية مع المجموعة
شهدت العلاقات المصرية مع فيشجراد تحركات متتابعة منذ عام 2014، عندما شارك وزير الخارجية آنذاك نبيل فهمي في اجتماعات وزراء خارجية الدول الأربع، لتبدأ مرحلة من التواصل المؤسسي.
وفي ديسمبر 2016، استقبل وزير الخارجية سامح شكري نظراءه من دول المجموعة، لبحث تعزيز التنسيق السياسي وتوسيع التعاون الاقتصادي والأمني.
أما عام 2017، فشهد مشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي في قمة المجموعة بدعوة من رئيس الوزراء المجري آنذاك فيكتور أوربان، في أول دعوة من نوعها لرئيس عربي وشرق أوسطي. وطرحت خلالها مقترحات لإنشاء منطقة صناعية خاصة بدول التجمع في مصر، إلى جانب إقامة صندوق استثماري مشترك.
وتجددت المشاركة المصرية في أكتوبر 2021، حيث تناولت المباحثات ملفات مكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية وأمن الطاقة، إلى جانب فرص تنمية التجارة والاستثمار والسياحة وتعزيز التعاون مع الاتحاد الأوروبي.
مكاسب اقتصادية وتحديات أمام الشراكة
يمكن أن يسهم تنشيط التعاون في جذب استثمارات أوروبية، وزيادة الصادرات المصرية إلى أسواق وسط أوروبا، ونقل التكنولوجيا والخبرات الفنية في الصناعة والنقل والزراعة والطاقة. كما يفتح المجال أمام مشروعات ثلاثية في الأسواق الأفريقية والعربية، بما يدعم دور مصر مركزًا إقليميًا للتصنيع والتجارة والخدمات اللوجستية.
لكن تحويل هذه الفرص إلى نتائج يتطلب تحديد القطاعات ذات الأولوية، وتطوير التواصل بين الشركات، واستكمال الدراسات الفنية والتمويلية للمقترحات السابقة، ومنها المنطقة الصناعية والصندوق الاستثماري المشترك، مع وضع جداول زمنية واضحة للتنفيذ.
وتعكس تصريحات السيسي بشأن إحياء المجموعة توجهًا نحو البناء على العلاقات السياسية والدبلوماسية القائمة، وتحويلها إلى مشروعات إنتاجية واستثمارية، بما يعزز التعاون بين مصر وأوروبا الوسطى ويفتح مسارات أوسع للشراكة مع دول الجنوب.

