كوريا الجنوبية تستفيد من طفرة الذكاء الاصطناعي.. صادرات قوية وتضخم يفرض تحديات جديدة
واصل الاقتصاد الكوري الجنوبي تسجيل أداء قوي خلال شهر يونيو، بعدما حققت الصادرات قفزة كبيرة مدفوعة بالطلب العالمي المتزايد على أشباه الموصلات، في ظل التوسع السريع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات. وتعكس هذه النتائج استمرار الزخم الذي يشهده قطاع التكنولوجيا، والذي أصبح المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي في البلاد، بالتزامن مع استعداد بنك كوريا لاتخاذ قرار مهم بشأن أسعار الفائدة وسط تصاعد الضغوط التضخمية.
نمو قوي في الصادرات وفائض تجاري كبير
أظهرت بيانات مكتب الجمارك الكوري الجنوبي ارتفاع الصادرات المعدلة وفق عدد أيام العمل بنسبة 59.5% خلال يونيو مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، بينما ارتفعت الواردات بنسبة 30.1%، ما أدى إلى تحقيق فائض تجاري بلغ 36.1 مليار دولار.
وعلى أساس البيانات غير المعدلة، سجلت الصادرات نمواً سنوياً بلغ 70.9%، مقارنة بارتفاع نسبته 53.4% خلال شهر مايو، في إشارة إلى استمرار التحسن في النشاط التجاري الخارجي، مدعوماً بالطلب القوي على المنتجات التكنولوجية عالية القيمة.
ويؤكد هذا الأداء قدرة الاقتصاد الكوري الجنوبي على الاستفادة من التحولات العالمية في قطاع التكنولوجيا، رغم استمرار حالة عدم اليقين التي تفرضها التوترات الجيوسياسية وتقلبات الاقتصاد العالمي.
أشباه الموصلات تقود النمو الاقتصادي
واصلت صناعة أشباه الموصلات لعب الدور الأكبر في دعم الاقتصاد الكوري، بعدما ارتفعت صادرات الرقائق الإلكترونية بدعم من الطلب المتزايد على رقائق الذاكرة المستخدمة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، ومراكز البيانات العملاقة.
ويأتي هذا النمو في وقت تشهد فيه الشركات العالمية توسعاً غير مسبوق في استثمارات البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، الأمر الذي عزز الطلب على الرقائق المتطورة التي تتمتع كوريا الجنوبية بميزة تنافسية كبيرة في إنتاجها.
كما ساهم الأداء القوي لقطاع الرقائق في تعويض حالة الضعف التي ما تزال تعاني منها بعض الصناعات التقليدية، ليصبح القطاع المحرك الرئيسي للناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة الحالية.
ضغوط تضخمية تزيد احتمالات رفع الفائدة
في المقابل، تضع الطفرة الاقتصادية بنك كوريا أمام تحدٍ جديد، يتمثل في تحقيق التوازن بين دعم النمو والسيطرة على التضخم.
ويرى مسؤولو البنك المركزي أن استمرار قوة الاقتصاد، إلى جانب ارتفاع الأسعار وضعف العملة الكورية وزيادة أسعار العقارات، تمثل جميعها عوامل تدعم الإبقاء على سياسة نقدية متشددة، بل وقد تبرر رفع أسعار الفائدة خلال الاجتماع المرتقب في 16 يوليو.
وأشار محافظ بنك كوريا، شين هيون سونغ، إلى أن ازدهار قطاع أشباه الموصلات لم يعد يقتصر على الشركات المصنعة، بل بدأت آثاره تمتد إلى الاستهلاك المحلي والاستثمار ونمو الأجور، وهو ما قد يؤدي إلى ترسيخ الضغوط التضخمية داخل الاقتصاد.
كما أظهرت البيانات الأخيرة تسارع معدل تضخم أسعار المستهلكين خلال مايو إلى أعلى مستوى له منذ أكثر من عامين، بالتزامن مع ارتفاع التضخم الأساسي، الذي يستبعد أسعار الغذاء والطاقة، إلى 2.5%، بما يعكس اتساع نطاق الضغوط السعرية.
خطة استثمارية ضخمة لتعزيز صناعة الرقائق
وفي خطوة تستهدف الحفاظ على ريادة كوريا الجنوبية في صناعة أشباه الموصلات، أعلنت الحكومة مؤخراً برنامجاً استثمارياً ضخماً يستهدف ضخ ما لا يقل عن 1350 تريليون وون، بما يعادل نحو 880 مليار دولار، خلال السنوات المقبلة.
وتشمل الخطة استثمارات تقودها شركات التكنولوجيا الكبرى، وفي مقدمتها سامسونج إلكترونيكس وإس كيه هاينكس، إلى جانب شركات أخرى متخصصة في تصنيع الرقائق ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.
وتهدف هذه الاستثمارات إلى مضاعفة الطاقة الإنتاجية لرقائق الذاكرة خلال خمس سنوات، بما يعزز قدرة كوريا الجنوبية على تلبية الطلب العالمي المتزايد، والحفاظ على مكانتها بين أكبر منتجي أشباه الموصلات في العالم.
وتعد هذه المبادرة واحدة من أكبر الخطط الصناعية المدعومة حكومياً على مستوى العالم، في ظل احتدام المنافسة الدولية لتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي وبناء سلاسل إمداد أكثر قوة واستقلالية.
منافسة عالمية متصاعدة على سوق التكنولوجيا
تأتي التحركات الكورية في وقت تتسابق فيه الاقتصادات الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة والصين، لتعزيز استثماراتها في صناعة الرقائق الإلكترونية، باعتبارها الركيزة الأساسية لتطبيقات الذكاء الاصطناعي والصناعات الرقمية المستقبلية.
وتسعى سيؤول إلى استغلال خبراتها الطويلة في إنتاج رقائق الذاكرة للحفاظ على تفوقها العالمي، خاصة مع توقعات باستمرار ارتفاع الطلب على أشباه الموصلات خلال السنوات المقبلة.
ويرى محللون أن استمرار قوة الصادرات يمنح الاقتصاد الكوري زخماً إضافياً خلال النصف الثاني من العام، لكنه في الوقت نفسه يزيد من احتمالات تشديد السياسة النقدية إذا استمرت الضغوط التضخمية، وهو ما يجعل قرار بنك كوريا المقبل بشأن أسعار الفائدة محط اهتمام واسع من المستثمرين والأسواق العالمية.
