الإثنين 16 فبراير 2026
رئيس التحرير
عمرو عامر
ramadan
رئيس التحرير
عمرو عامر
تحليل

مزرعة المطاعنة.. حكاية نموذج استثماري كسر هيمنة القطن في عهد الملك فاروق

الإثنين 16/فبراير/2026 - 10:06 ص
الملك فاروق في مزرعة
الملك فاروق في مزرعة المطاعنة

في قلب صعيد مصر، وتحديداً في مركز إسنا بالأقصر، تقف "مزرعة المطاعنة" كشاهد عيان على حقبة اقتصادية فارقة. 

وبينما كانت بورصة القطن في الإسكندرية تشكل عصب الاقتصاد المصري، برزت المطاعنة في عهد الملك فاروق الأول (1936–1952) كنموذج استثماري فريد، نجح في تحويل الأراضي الصحراوية والزراعية في الجنوب إلى واحة إنتاجية متطورة، بعيداً عن نمطية المحاصيل التقليدية.

عصر فاروق الأول.. عندما أصبحت "المطاعنة" درة التاج الزراعي


رغم أن جذور المزرعة تعود لأوائل الثلاثينيات، إلا أنها شهدت عصرها الذهبي في عهد الملك فاروق الأول؛ حيث تحولت من مجرد ملكية زراعية إلى مشروع اقتصادي بستاني متكامل. 

وفي تلك الفترة، كانت الدولة المصرية تسعى لتنويع مصادر دخلها الزراعي، ومثلت المطاعنة "التوجه الليبرالي الاقتصادي" في الزراعة، عبر التركيز على الفاكهة عالية القيمة التسويقية التي كانت تُطلب بالاسم في قصور القاهرة وأسواقها الكبرى.

الهيكل الاقتصادي: "بيزنس" المانجو والبلح الملكي


واعتمد المشروع في عهد الملك فاروق على إدارة احترافية ركزت على ثلاثة محاور اقتصادية:

الاستثمار في المحاصيل "الفاخرة": بدلاً من الاكتفاء بالحبوب، ركزت المزرعة على زراعة المانجو (بأصنافها النادرة وقتها)، والبرتقال، والبلح. 

وكانت هذه المحاصيل تُصنف كسلع "ذات عائد مرتفع" مقارنة بالقطن الذي كان يخضع لتقلبات البورصات العالمية.

الإنتاجية الكثيفة:

 تُشير التقديرات إلى أن إنتاج المزرعة من المانجو وحده كان يتراوح بين 120 إلى 150 طناً سنوياً. وبحساب القوة الشرائية للجنيه المصري في الأربعينيات، فإن هذا الإنتاج كان يحقق فائضاً مالياً ضخماً يُعاد استثماره في تطوير نظم الري الحديثة المعتمدة على مياه النيل مباشرة.

خلق دورة دخل محلية: 

لم تكن المزرعة استهلاكية، بل كانت توظف المئات من أبناء "إسنا" و"المطاعنة"، مما ساهم في رفع المستوى المعيشي لأهالي المنطقة وإدخال تقنيات "التقليم والتسميد الحديث" لصعيد مصر لأول مرة.

عناصر النجاح.. جغرافيا الجنوب وقوة العلامة التجارية


استفادت المزرعة من مناخ الأقصر الحار الذي يمنح الفاكهة حلاوة ومذاقاً مميزاً، مما جعل منتجات "المطاعنة" علامة تجارية مسجلة في أسواق الفاكهة الراقية بالقاهرة والإسكندرية. 

والموقع الجغرافي بجوار النيل قلل من تكاليف الإنتاج المرتبطة بالري، ووفر مصدر مياه دائم حمى المزرعة من مخاطر الجفاف التي كانت تهدد الزراعات البعلية.

تجربة زراعية رائدة في قلب الملكية


بمعايير ذلك الزمان، لم تكن مزرعة المطاعنة في عهد الملك فاروق الأول مجرد "عزبة ملكية"، بل كانت "مدرسة إنتاجية" أثبتت جدوى الاستثمار في قطاع البساتين. لقد نجح هذا النموذج في:

تحقيق عائد سوقي مرتفع ومستمر.

تنويع سلة الغذاء المصرية بمحاصيل غير تقليدية.

تطوير الخبرات الزراعية لعمال صعيد مصر.

ورغم تغير الأنظمة السياسية لاحقاً، تظل "المطاعنة" في الذاكرة الاقتصادية المصرية كأول تجربة استثمارية كبرى تبرهن على أن ذهب الصعيد ليس في باطن أرضه فقط، بل في ثمار أشجاره أيضاً.