ثورة سيولة في البنوك.. كيف يحرر "المركزي" 350 مليار جنيه لدعم الاستثمار والإنتاج؟
أجمع خبراء ومحللون مصرفيون على أن التحرك الأخير لـ البنك المركزي المصري بخفض نسبة الاحتياطي النقدي الإلزامي يمثل انعطافة هيكلية كبرى تستهدف فك تجميد مليارات الجنيهات داخل أروقة الجهاز المصرفي.
ويرسم هذا الإجراء مساراً جديداً لتعزيز مستويات السيولة ومنح البنوك التجارية مرونة فائقة في إدارة مواردها المالية وتوجيهها نحو المسارات الائتمانية المنتجة، بعيداً عن الجمود الذي قد يفرضه الثبات الطويل للسياسات النقدية التقليدية.
ويأتي هذا التوجه ضمن رؤية نقدية شاملة تسعى لتحفيز محركات النمو الاقتصادي بعيداً عن الاعتماد الوحيد على آلية أسعار الفائدة، خاصة بعدما أقر مجلس إدارة البنك المركزي تقليص هذه النسبة من 18% إلى 16%.
وتهدف هذه الخطوة إلى تحويل الودائع الساكنة إلى طاقة تمويلية فاعلة، حيث يمثل هذا الاحتياطي حصة من مدخرات العملاء تلتزم البنوك بإيداعها لدى البنك المركزي دون الحصول على أي عوائد، مما يجعل تحرير جزء منها بمثابة ضخ دماء جديدة في شرايين الاقتصاد.
تحرير الموارد المعطلة ورفع كفاءة الأصول
وفي هذا السياق، أكد محمد عبد العال، الخبير المصرفي، أن القرار يمثل خطوة استراتيجية محسوبة بدقة لرفع كفاءة توظيف الأصول وتحرير الموارد دون تكبيد المصارف أي أعباء تمويلية إضافية.
وأشار إلى أن خفض النسبة بمقدار نقطتين مئويتين يترجم عملياً إلى إطلاق نحو 2% من إجمالي قاعدة الودائع لتصبح سيولة حرة، وهو ما يضخ عشرات المليارات من الجنيهات في القطاع المصرفي وفقاً لحجم الودائع بكل بنك.
وأوضح عبد العال أن القيمة المضافة لهذا القرار تكمن في أن السيولة الناتجة لا تمثل توسعاً نقدياً مباشراً قد يرفع المخاطر التضخمية، بل هي عملية إعادة تدوير لموارد موجودة بالفعل داخل النظام المصرفي.
وهذا الأمر يدعم قدرة البنوك على منح الائتمان بصورة انتقائية ومنضبطة، خاصة وأن معدلات القروض إلى الودائع حالياً تسمح بمساحة حركة مريحة للمصارف لاستيعاب هذه التدفقات وتوجيهها نحو المسارات التنموية والإنتاجية.
ولفت عبد العال إلى أن القطاعات المرشحة للاستفادة القصوى من هذه السيولة تشمل الصناعة والأنشطة التصديرية والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، بالإضافة إلى التمويل العقاري للإسكان المتوسط.
وأكد أن المخاوف التضخمية تظل في حدودها الدنيا لأن السيولة ستبقى داخل القنوات الرسمية المنظمة ولن تتحول إلى طلب استهلاكي عشوائي، بل ستوجه لزيادة العرض السلعي وتعزيز جانب الإنتاج الحقيقي.
كما أن خفض الاحتياطي الإلزامي يسهم في تقليل نسبة الأموال غير المدرة للعائد، وهو ما ينعكس إيجاباً على خفض متوسط تكلفة الأموال وتحسين صافي هامش العائد للمصارف.
ويمنح هذا الإجراء البنوك القدرة على تقديم عروض ائتمانية أكثر تنافسية للعملاء وإعادة تسعير المنتجات الائتمانية بصورة تخدم النشاط الإنتاجي، معتبراً أن هذه الأداة تظل مكملة للسياسة النقدية وتعمل على إدارة السيولة بدقة دون إرسال إشارات حادة للأسواق.
انتقائية المنح الائتماني وجودة الطلب
من جانبه، وصف الخبير المصرفي أحمد شوقي هذا القرار بالخطوة النقدية الهيكلية التي تمنح المصارف مساحة تنفس واسعة، مبيناً أن حجم الودائع بالعملة المحلية الذي يتخطى حاجز 11.5 تريليون جنيه يعني أن السيولة التقديرية المحررة قد تقارب 230 مليار جنيه.
وأوضح شوقي أن هذه الوفورات المالية ستحسن المراكز المالية للبنوك وتخفف من أعباء إدارة السيولة اليومية التي تواجهها إدارات الخزانة في المصارف الكبرى.
وتوقع شوقي في الوقت ذاته أن يظل التوسع الائتماني انتقائياً ومرتبطاً بجودة الطلب ومستويات المخاطر في كل قطاع، حيث لن تفرط البنوك في الإقراض لمجرد توافر السيولة، بل ستبحث عن الفرص ذات الجدوى الاقتصادية العالية.
وأشار إلى أن التركيز سينصب على قطاعات التصنيع وإحلال الواردات والأنشطة الخدمية ذات التدفقات المستقرة، مع بقاء النمو في الإقراض الاستهلاكي محدوداً تماشياً مع توجهات الدولة لكبح جماح التضخم.
وشدد شوقي على أن الأثر التضخمي لهذا الإجراء يرتبط ارتباطاً وثيقاً بسرعة دوران النقود وكيفية توجيه البنوك لهذه الأموال في السوق، فإذا تم استثمارها في تعزيز المعروض السلعي فإنها ستسهم في احتواء الضغوط السعرية.
كما أكد أن هذه الأداة الكمية تعمل جنباً إلى جنب مع الأدوات السعرية لضبط إيقاع السوق، حيث يستخدم البنك المركزي الفائدة للسيطرة على الطلب الكلي بينما يوظف الاحتياطي الإلزامي لإدارة المعروض من السيولة.
تيسير الأوضاع النقدية ودعم الاستثمار
وفي سياق متصل، أشار الخبير المصرفي أحمد أبو الخير إلى أن تزامن خفض الاحتياطي الإلزامي مع خفض أسعار الفائدة يعكس توجهاً صريحاً نحو تيسير الأوضاع النقدية ودعم النشاط الاقتصادي.
وقدر أبو الخير أن السيولة التي سيتم تحريرها قد تتراوح تدريجياً بين 250 و350 مليار جنيه، مبيناً أن هذه المبالغ لن تتحول فوراً إلى قروض بل ستمنح إدارات السيولة مرونة أكبر في إدارة مراكزها المالية وتخفيف ضغوط التمويل.
وأضاف أن هذا المزيج بين وفرة الموارد وتراجع كلفة الاقتراض سيشجع الشركات على التوسع في طلب التمويل لزيادة طاقتها الإنتاجية، خاصة في قطاعات التجارة والصناعات الخفيفة وتمويل رأس المال العامل.
ومع ذلك، توقع أن تظل المصارف حذرة تجاه الأنشطة عالية المخاطر أو المشروعات التي تتطلب فترات استرداد طويلة للغاية، مفضلةً القنوات الاستثمارية الأكثر استقراراً وأماناً في المرحلة الحالية.
واختتم أبو الخير بالتأكيد على أن زيادة السيولة داخل الجهاز المصرفي لا تعني حتمياً حدوث موجة تضخمية فورية، إذ يمكن للبنوك إعادة توظيف الفوائض في أدوات استثمارية تدعم العرض من السلع.
كما أوضح أن تحسن كفاءة توظيف الودائع سيعزز من قدرة البنوك على المنافسة وجذب العملاء، وهو ما يبرهن في النهاية على أن خفض الاحتياطي الإلزامي هو أداة مكملة وفعالة تضمن توازناً دقيقاً بين دعم النمو والحفاظ على استقرار الأسعار.


