خسائر وول ستريت تتجاوز 2.5 تريليون دولار.. لماذا قد يتراجع الأسهم الأمريكية؟
تجاوزت خسائر سوق الأسهم الأمريكية 2.5 تريليون دولار خلال يوم واحد، عقب نتائج انتخابات التجديد النصفي، في موجة تراجع أثارت مخاوف المستثمرين، لكنها تحولت في الوقت نفسه إلى فرصة استثمارية من وجهة نظر بعض الخبراء، الذين يرون أن انخفاض الأسعار قد يتيح شراء الأسهم والأصول الجيدة بتكلفة أقل.
وأعاد الهبوط الحاد في بورصة «وول ستريت» الجدل حول كيفية التعامل مع تقلبات الأسواق المالية، خاصة أن التراجعات الكبيرة لا تعني بالضرورة تغير الأساسيات الاقتصادية للشركات، وقد تمثل في بعض الأحيان فرصة للمستثمرين أصحاب الخطط طويلة الأجل.
لماذا يعتبر بعض المستثمرين تراجع وول ستريت فرصة للشراء؟
يرى المستشار المالي والخبير السابق لدى شركة «ديلويت»، برينان شلاغباوم، أن التعامل مع انخفاضات سوق الأسهم يجب أن يكون بعيدًا عن الذعر والقرارات المتسرعة، مشيرًا إلى أن المستثمرين الذين يمتلكون رؤية طويلة الأجل يمكنهم الاستفادة من تراجع الأسعار لشراء الأصول التي يرغبون في الاحتفاظ بها.
وأوضح شلاغباوم، في منشور عبر حسابه على منصة «إكس»، أن نتائج انتخابات التجديد النصفي تسببت في اضطراب الأسواق خلال 24 ساعة، بالتزامن مع موجة بيع واسعة لأسهم شركات الرقائق الإلكترونية، ووصول أداء الأسواق إلى أسوأ مستوياته منذ أبريل 2025.
وأشار إلى أن وصف ما حدث بأنه نهاية للسوق يتجاهل الطبيعة التاريخية لتقلبات البورصة، موضحًا أن الانخفاضات السعرية تعد جزءًا معتادًا من الاستثمار في الأسهم.
ماذا تقول الإحصاءات التاريخية عن انخفاضات الأسهم؟
استند الخبير المالي إلى بيانات تاريخية تعود إلى عام 1928، موضحًا أن الأسواق شهدت تراجعات بنسبة 5% خلال 94% من السنوات، بينما سجلت انخفاضات بنسبة 10% في نحو 63% من السنوات.
كما لفت إلى أن مؤشر «ناسداك» تراجع بنسبة 5.5% يوم الخميس السابق، معتبرًا أن مثل هذه التحركات لا تخرج بالضرورة عن نطاق التقلبات التي تشهدها الأسواق المالية.
وفي المقابل، أشار شلاغباوم إلى أداء مؤشر «إس آند بي 500» عقب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، موضحًا أنه سجل ارتفاعًا بعد مرور 12 شهرًا على جميع الانتخابات التي جرت منذ عام 1950، بواقع 19 مرة من أصل 19، وبمتوسط مكاسب بلغ 15%.
وشدد على أن النتائج التاريخية لا تمثل ضمانًا لتحقيق مكاسب مستقبلية، لكنها تبرز أهمية عدم اتخاذ قرارات البيع تحت تأثير الخوف من التراجعات المؤقتة.
العلاقة بين أسوأ أيام البورصة وأفضل جلسات التداول
ومن النقاط التي استند إليها شلاغباوم في تفسير موقفه، أن أفضل جلسات سوق الأسهم قد تأتي بالقرب من أكثر أيامها تراجعًا.
وأوضح أنه منذ عام 1980، وقعت 8 من أسوأ 10 أيام في تاريخ السوق خلال أسبوع واحد من أفضل 10 أيام، وهو ما يعكس صعوبة توقع توقيتات التعافي بدقة.
وبحسب رؤيته، فإن الخروج من السوق خلال فترات الهبوط قد يؤدي إلى تفويت جلسات الارتداد القوية، وهو ما قد يؤثر سلبًا في العائد الإجمالي للاستثمار على المدى الطويل.
وارن بافيت يوضح كيف يستفيد المستثمر من انخفاض الأسعار
واستشهد المستشار المالي بفكرة طرحها المستثمر الأمريكي الشهير وارن بافيت، تقوم على أن الشخص الذي يشتري سلعة بصورة مستمرة طوال حياته يفضل أن تكون أسعارها منخفضة، وليس مرتفعة.
وتنطبق الفكرة نفسها، وفقًا لهذا التصور، على المستثمر الذي يواصل شراء الأسهم وصناديق المؤشرات؛ إذ يمكن أن تمنحه التراجعات فرصة لشراء وحدات وأصول بأسعار أقل.
وأضاف شلاغباوم أن 84% من الشركات المدرجة في مؤشر «إس آند بي 500» تجاوزت توقعات الأرباح خلال الربع المشار إليه، معتبرًا أن التراجع السعري لا يعني بالضرورة حدوث تغير جوهري في أداء الشركات خلال ليلة واحدة.
هل تقل مخاطر الاستثمار كلما طالت مدة الاحتفاظ بالأسهم؟
عرض شلاغباوم تقديرات لاحتمالات خسارة الأموال في سوق الأسهم وفقًا لمدة الاستثمار، موضحًا أن احتمالات الخسارة تتراجع كلما زادت الفترة الزمنية للاحتفاظ بالاستثمارات.
وجاءت التقديرات التي أوردها على النحو التالي:
- الاستثمار لمدة عام واحد: احتمالية خسارة تصل إلى 25%.
- الاستثمار لمدة 3 سنوات: تنخفض الاحتمالية إلى 16%.
- الاستثمار لمدة 5 سنوات: تصل إلى 10%.
- الاستثمار لمدة 10 سنوات: تتراجع إلى 6%.
- الاستثمار لمدة 20 عامًا: تصل إلى صفر وفقًا للأرقام التي ذكرها.
وفي المقابل، حذر من أن الاحتفاظ بالأموال نقدًا لفترات طويلة قد يؤدي إلى تراجع قوتها الشرائية نتيجة التضخم، معتبرًا أن المستثمر يحتاج إلى تقييم المخاطر المرتبطة بكل اختيار، بدلًا من افتراض أن الابتعاد عن الأسهم يعني غياب المخاطر تمامًا.
تجربة «شواب» تكشف أثر توقيت الاستثمار
واستعرض الخبير المالي تجربة أجرتها شركة «شواب»، تابعت خلالها ثلاثة مستثمرين على مدار 20 عامًا، بهدف مقارنة نتائج استراتيجيات مختلفة للتعامل مع الأموال.
ووفقًا للأرقام التي نقلها شلاغباوم، حقق المستثمر الذي كان يضخ أمواله فور توافرها كل عام نحو 170,555 دولارًا، بينما انتهى المستثمر الذي اختار أسوأ توقيت ممكن للاستثمار سنويًا إلى 151,343 دولارًا.
أما المستثمر الثالث، الذي احتفظ بأمواله نقدًا انتظارًا للحظة المناسبة للدخول إلى السوق، فقد انتهى به الأمر إلى 47,357 دولارًا فقط.
وتبرز هذه المقارنة، بحسب الخبير، صعوبة تحديد التوقيت المثالي للشراء والبيع، كما توضح أن الانتظار المستمر بحثًا عن أفضل فرصة قد يحرم المستثمر من المشاركة في فترات صعود السوق.
ما خطة الخبير المالي بعد خسائر وول ستريت؟
أكد شلاغباوم أنه لا يعتزم تغيير استراتيجيته الاستثمارية بعد موجة الهبوط الأخيرة، موضحًا أنه يعتمد على الاستثمار التلقائي بصورة أسبوعية في صناديق المؤشرات، إلى جانب إعادة استثمار التوزيعات النقدية بشكل تلقائي.
وتعكس هذه الاستراتيجية توجهًا يعتمد على الاستمرارية والالتزام بخطة محددة، بدلًا من تغيير القرارات الاستثمارية مع كل موجة صعود أو هبوط.
ومع ذلك، فإن الأرقام والتجارب التي استشهد بها الخبير لا تعني أن الاستثمار في الأسهم خالٍ من المخاطر أو أن الخسائر لا يمكن أن تستمر، كما أن الأداء التاريخي لا يضمن تحقيق النتائج نفسها مستقبلًا. ويظل تحديد الاستراتيجية المناسبة مرتبطًا بأهداف المستثمر ومدى تحمله للمخاطر والفترة التي يستطيع خلالها الاحتفاظ باستثماراته.








