انقسامات الإخوان تضرب التنظيم الدولي.. صراع القيادة والتمويل يهدد مستقبل الجماعة
تواجه جماعة الإخوان أزمة داخلية متصاعدة، مع اتساع الخلافات بين قياداتها وتزايد الصراع على النفوذ ومصادر التمويل، في وقت تتراجع فيه قدرتها على الحفاظ على تماسك هياكلها التنظيمية وشبكاتها الخارجية، وسط ضغوط مالية ورقابية متزايدة على عدد من المؤسسات والكيانات المرتبطة بها في دول مختلفة.
وكشف باحثون وخبراء في شؤون الجماعات المتطرفة أن الأزمة الحالية تجاوزت الخلافات التقليدية حول القيادة وإدارة التنظيم، لتتحول إلى صراع على الأصول المالية ومصادر الدخل والمنصات الإعلامية، بما يعكس حجم التصدع داخل الجماعة، ويضع مستقبل تنظيمها الدولي أمام تحديات متزايدة.
وأشار الخبراء، في تصريحات خاصة، إلى أن تراجع بعض مصادر الدعم التقليدية، وتشديد الرقابة على المؤسسات المرتبطة بالجماعة، بالتزامن مع استمرار التنافس بين الجبهات المتصارعة في لندن وإسطنبول، أسهم في تعقيد المشهد الداخلي وإضعاف فرص الوصول إلى قيادة موحدة.
تراجع التمويل يضع التنظيم أمام أزمة مالية متصاعدة
قال عمرو فاروق، الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة، إن الملف المالي يمثل أحد أهم ركائز جماعة الإخوان، باعتباره العصب الرئيسي لاستمرار أنشطتها وتحركات عناصرها، خاصة بعد انتقال أعداد كبيرة من قياداتها وأعضائها إلى الخارج.
وأوضح أن التنظيم شهد خلال الفترة الأخيرة اضطرابًا ملحوظًا في موارده المالية نتيجة عدة عوامل، أبرزها تراجع الدعم المباشر الذي كانت تحصل عليه الجماعة من بعض الدول، إلى جانب انخفاض قدرتها على توفير الملاذات الآمنة لعناصرها الهاربة بالخارج.
وأضاف أن الإجراءات الرقابية التي اتخذتها دول أوروبية ضد مؤسسات مرتبطة بالتنظيم وضعت شبكاته المالية أمام تحديات كبيرة، خاصة مع إخضاع عدد من الكيانات للرقابة المالية والأمنية، وإغلاق بعض المؤسسات والمدارس الخاصة المرتبطة بعناصر محسوبة على الجماعة.
وأشار إلى أن بعض هذه المؤسسات تعرض للمصادرة أو توقف نشاطه، وهو ما أدى إلى فقدان الجماعة مصادر دخل مهمة، لافتًا إلى وجود وقائع في السويد وكندا تتعلق بملاحظات على مسارات الأموال وآليات إدارتها.
وأكد فاروق أن الصراعات بين الجبهات المختلفة انعكست بصورة مباشرة على إدارة الموارد المالية، إذ باتت كل جبهة تسعى إلى السيطرة على مؤسسات ومصادر دخل محددة، ما أدى إلى تصاعد الخلافات حول الأموال والأصول على مدار السنوات الماضية.
ولفت إلى أن تراجع حضور الجماعة في عدد من الدول العربية أثر بدوره على مواردها المالية، بالتزامن مع تنامي مفهوم الدولة الوطنية ورفض توظيف الدين لتحقيق أهداف سياسية وتنظيمية.
وأضاف أن الجماعة اعتمدت لسنوات على ضخ التبرعات والأموال في شركات ومؤسسات اقتصادية مختلفة، إلا أن خضوع عدد من هذه الكيانات للرقابة المالية غيّر طبيعة المشهد، مشيرًا إلى أن السياسات الأوروبية والأمريكية تجاه التنظيم شهدت تحولات خلال السنوات الأخيرة.
اتهامات متبادلة تكشف أزمة الثقة بين القيادات
من جانبه، أكد الدكتور هشام مصطفى عبدالعزيز، رئيس حزب الإصلاح والنهضة، أن الصراعات المستمرة داخل جماعة الإخوان، وما تشهده من تنافس على القيادة والنفوذ والموارد المالية، تكشف عن أزمة عميقة في بنية التنظيم.
وأوضح أن الخلافات بين الجبهات لم تعد مرتبطة بمجرد اختلاف الرؤى أو أساليب الإدارة، بل امتدت إلى التنافس على الشرعية القيادية والسيطرة على الأصول والموارد، مشيرًا إلى أن الاتهامات المتبادلة بين القيادات بشأن الأموال والممتلكات تعكس تراجع الثقة داخل التنظيم.
وقال إن التناقض الواضح يتمثل في أن الجماعة التي طالما رفعت شعارات تتجاوز المصالح الفردية، أصبحت خلافاتها تدور حول الأشخاص ومراكز السلطة والموارد المالية.
وشدد على أن الأزمة لا يمكن اختزالها في صراع على المناصب يمكن إنهاؤه بتسوية داخلية، بل ترتبط بطبيعة المنهج التنظيمي الذي سمح بتداخل السلطة والمال والولاءات الشخصية.
وأضاف أن أي مراجعات حقيقية يجب أن تتضمن تغييرًا واضحًا في الأفكار والآليات والسلوك السياسي، مؤكدًا أهمية بناء حياة سياسية تقوم على الأحزاب المدنية والمؤسسات الدستورية والشفافية والمساءلة.
جبهتا لندن وإسطنبول في مواجهة على شرعية القيادة
بدوره، قال مصطفى أمين، المتخصص في شؤون الجماعات الإسلامية، إن الخلافات داخل جماعة الإخوان خلال السنوات الأخيرة لا ترتبط بمراجعات فكرية أو إعادة تقييم لمسار التنظيم، بقدر ارتباطها بالصراع على النفوذ والمواقع القيادية ومصادر التمويل.
وأوضح أن الانقسام برز بصورة واضحة مع الخلاف بين محمود حسين، الأمين العام للجماعة، وإبراهيم منير قبل وفاته، وهو ما أدى إلى ظهور جبهات متنافسة وأضعف قدرة التنظيم على الحفاظ على وحدته.
وأضاف أن تولي إبراهيم منير منصب المرشد العام مثّل محطة مهمة في مسار الأزمة، بعدما كشف عن الخلافات بين قيادات الصف الأول بشأن الشرعية التنظيمية وحق إدارة الجماعة واتخاذ القرارات باسمها.
وأشار إلى أن وفاة منير فتحت المجال أمام مرحلة جديدة من التنافس، مع بروز جبهة صلاح عبدالحق في لندن، في مواجهة جبهة محمود حسين في إسطنبول، وسعي كل طرف إلى تعزيز نفوذه والسيطرة على الموارد المالية والهياكل التنظيمية بالخارج.
وأوضح أمين أن جوهر الصراع يتمثل في تحديد الجهة التي تمتلك حق تمثيل الجماعة وإدارة أموالها وشبكاتها التنظيمية، معتبرًا أن تعدد مراكز القيادة يعكس حجم التصدع الذي أصاب التنظيم.
ورأى أن جبهة صلاح عبدالحق تبدو أكثر قدرة على إدارة المشهد في الوقت الحالي، وفق تقديره، بسبب ارتباطها بالتنظيم الدولي وسيطرتها على جانب مهم من الموارد المالية الموجودة بالخارج، بينما تتمسك جبهة محمود حسين بأحقيتها في القيادة، ما يعمق حالة الانقسام.
الخطاب الإعلامي يتغير وفق المصالح والأهداف
وفي السياق نفسه، أشار العقيد حاتم صابر، خبير مقاومة الإرهاب الدولي وحرب المعلومات، إلى أن الخلافات داخل جماعة الإخوان امتدت إلى ملفات النفوذ والموارد المالية وإدارة المنصات الإعلامية، ولم تعد مقتصرة على التباين في التوجهات أو أساليب العمل.
وأوضح أن النزاع حول الأصول المالية والمنصات الإعلامية كشف عن تشابك المصالح بين أطراف الجماعة، وسعي القيادات الموجودة بالخارج إلى الحفاظ على مصادر نفوذها وامتيازاتها.
وأضاف أن التنظيم يعتمد على خطاب إعلامي يتغير بحسب الجهة المستهدفة، إذ يقدم نفسه أمام المجتمعات الغربية باعتباره ضحية لعدم التسامح، بينما يستخدم خطابًا أكثر راديكالية وتعبئة عند مخاطبة قواعده في المنطقة.
ولفت إلى أن تداعيات الأزمة امتدت إلى القواعد التنظيمية، التي بدأت تواجه تراجعًا في التأثير، بالتزامن مع انكشاف المصالح التي تحكم شبكات التمويل والإدارة داخل الجماعة.
وأكد أن الاعتماد المتزايد على الحضور الإعلامي وإثارة الجدل أصبح إحدى الوسائل المستخدمة للحفاظ على المشاهدات والدعم، بدلًا من المشروع الذي كانت الجماعة تروج له تحت شعارات الإصلاح.
الهزائم المتتالية تعمق الانقسام وتضعف فرص التوافق
من جانبه، أوضح طارق البشبيشي، الباحث في شؤون الجماعات الإرهابية، أن التراجع الذي شهدته جماعة الإخوان خلال السنوات الأخيرة أسهم بصورة مباشرة في تصاعد الخلافات بين قياداتها، بعدما أضعفت الهزائم المتتالية تماسك التنظيم وقدرته على الحفاظ على وحدة صفه.
وأضاف أن الجماعة انتقلت من أزمة إلى أخرى دون تحقيق الأهداف التي وعدت بها عناصرها وأنصارها، الأمر الذي أدى إلى اتساع حالة الإحباط داخل صفوفها وتصاعد الخلافات بشأن إدارة المرحلة المقبلة.
وأشار إلى أن الانقسامات تحولت إلى صراع واضح على النفوذ والشرعية التنظيمية ومصادر التمويل، حيث تسعى كل جبهة إلى تقديم نفسها باعتبارها الممثل الشرعي للجماعة وصاحبة الحق في إدارة مواردها وتوجيه قراراتها.
وأوضح أن وجود مراكز قيادة متنافسة بين لندن وإسطنبول يعكس عمق الأزمة، خاصة مع تمسك كل طرف بأحقيته في إدارة الملفات التنظيمية والمالية، وسعيه إلى استقطاب المزيد من القيادات والمؤيدين.
وأكد البشبيشي أن الصراع على الموارد المالية أصبح أحد أبرز أسباب التشرذم داخل الجماعة، في ظل انشغال القيادات المتنافسة بحسابات النفوذ والسيطرة على التمويل، بدلًا من معالجة الأزمات التنظيمية المتراكمة.
واختتم بالإشارة إلى أن استمرار الخلافات وغياب التوافق على قيادة موحدة أديا إلى زيادة حالة الارتباك داخل الجماعة، وأضعفا قدرتها على اتخاذ مواقف مشتركة أو التحرك تحت قيادة واحدة، لتدخل بذلك مرحلة جديدة من الاضطراب والانقسام.

