الذهب ينهار عالميًا بخسائر 12.7% خلال أكتوبر.. هل انتهى عصر المكاسب؟
دخلت أسعار الذهب مرحلة شديدة الحساسية، بعدما تعرض المعدن النفيس لموجة بيع قوية في الأسواق العالمية دفعته إلى تسجيل أدنى مستوياته خلال عام، وسط تصاعد المخاوف بشأن استمرار الضغوط التضخمية واحتمالات تشديد السياسة النقدية الأمريكية، بالتزامن مع تزايد الضغوط الفنية وتسارع عمليات تصفية المراكز الاستثمارية.
وفقد الذهب مستويات دعم رئيسية خلال تعاملات الجمعة الماضية، بعدما كسر مستوى 3970 دولارًا للأوقية، بالتزامن مع موجة تراجع حادة ضربت أسهم شركات التكنولوجيا والكيانات المرتبطة بقطاع الذكاء الاصطناعي عالميًا، ليتراجع المعدن الأصفر دون مستوى 3900 دولار للأوقية، مسجلًا خسائر شهرية بلغت 12.7% خلال أكتوبر، في أسوأ أداء شهري له منذ الأزمة المالية العالمية.
وفي قراءة لأسباب التراجع، يرى أولي هانسن، رئيس استراتيجية السلع في ساكسو بنك، أن الذهب يواجه ضغوطًا متزايدة نتيجة تدهور المؤشرات الفنية وتراجع شهية المستثمرين للمخاطرة، رغم استمرار المقومات الهيكلية التي تدعم جاذبية المعدن الأصفر باعتباره أحد الأصول الاستثمارية المهمة على المدى الطويل.
مشتريات 150 طنًا منذ يوليو تضع المستثمرين أمام اختبار صعب
وتأتي موجة الهبوط الأخيرة في وقت تتزايد فيه الضغوط التضخمية بفعل استمرار ارتفاع أسعار الطاقة، إلى جانب تصاعد التوترات الجيوسياسية والمخاوف المرتبطة باحتمالات تنفيذ الولايات المتحدة ضربات جديدة ضد إيران عقب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، وهو ما أضاف مزيدًا من التقلبات إلى المشهد الاقتصادي العالمي.
وبحسب تحليل هانسن، فإن كسر مستويات الدعم الفنية الرئيسية دفع المستثمرين إلى تسريع عمليات تصفية مراكز الشراء، لتنتقل الضغوط البيعية تدريجيًا إلى الصناديق المتداولة المدعومة بالذهب، التي شهدت تراجعًا في حيازاتها خلال الفترة الأخيرة.
وأظهرت بيانات بلومبرغ انخفاض حيازات صناديق الذهب المتداولة بنحو 6 أطنان خلال الأسبوع الماضي، وذلك بعد موجة تراكم قوية بلغت نحو 150 طنًا منذ يوليو، في مؤشر على بداية تراجع بعض المراكز الاستثمارية التي دعمت الأسعار خلال الأشهر الماضية.
ورغم أن حجم التخارج الأخير لا يزال محدودًا مقارنة بإجمالي المشتريات المتراكمة، فإن مصدر القلق الرئيسي يتمثل في أن جانبًا كبيرًا من هذه المشتريات جرى عند مستويات سعرية مرتفعة، ما يعني تعرض المستثمرين لخسائر غير محققة قد تدفع بعضهم إلى تقليص حيازاتهم والخروج من السوق إذا استمرت الأسعار في الهبوط.
وحذر هانسن من أن قدرة المستثمرين على الاحتفاظ بمراكزهم الاستثمارية رغم الخسائر الحالية ستكون اختبارًا حقيقيًا لمدى تمسكهم بالتوقعات الإيجابية للذهب على المدى الطويل، خاصة في ظل استمرار الضغوط الفنية واحتمالات اتساع نطاق عمليات البيع خلال الفترة المقبلة.
3 عوامل تحسم مستقبل أسعار الذهب عالميًا
وعلى صعيد التوقعات، يرتبط مسار الذهب خلال المرحلة المقبلة بعدة متغيرات رئيسية، يأتي في مقدمتها أداء أسواق الأسهم العالمية، ومدى استمرار موجات الهبوط في أسهم التكنولوجيا، فضلًا عن تطورات التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وتأثيرها على أسعار الطاقة ومعدلات التضخم.
كما ستلعب توقعات السياسة النقدية الأمريكية دورًا محوريًا في تحديد اتجاه المعدن الأصفر، إذ إن استمرار الرهانات على تشديد السياسة النقدية وارتفاع أسعار الفائدة قد يزيد الضغوط على الذهب، في ظل ارتفاع جاذبية الأصول المدرة للعائد مقارنة بالمعدن الذي لا يحقق عائدًا دوريًا.
وتكشف التطورات الحالية عن تباين واضح بين العوامل الداعمة للذهب على المدى الطويل والضغوط التي تسيطر على تحركاته قصيرة الأجل؛ فبينما لا تزال المخاوف الاقتصادية والجيوسياسية تدعم دوره باعتباره مخزنًا للقيمة وأداة للتحوط، تفرض أزمة السيولة وتصفية المراكز الاستثمارية تحديات متزايدة أمام استقرار الأسعار.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو عودة الذهب إلى مسار التعافي مرهونة بقدرته على استعادة مستويات الدعم والاستقرار النسبي في الأسواق العالمية، إلى جانب وضوح اتجاه السياسة النقدية الأمريكية واحتواء الضغوط التضخمية، وهي عوامل ستحدد ما إذا كان التراجع الحالي مجرد تصحيح سعري حاد أم بداية مرحلة أطول من الضغوط على المعدن النفيس.








