من التشديد إلى التيسير النقدي.. كيف تغيرت أسعار الفائدة في مصر خلال 5 سنوات؟
شهدت أسعار الفائدة في مصر تحولات واسعة خلال الفترة من 2022 إلى 2026، بين موجات متتالية من الرفع لمواجهة التضخم والضغوط على الجنيه، ثم الاتجاه إلى خفض الفائدة مع تراجع وتيرة ارتفاع الأسعار، في مسار انعكس على تكلفة الاقتراض وجاذبية الادخار وحركة الاستثمار داخل السوق المحلية.
وبحسب البيانات الواردة في تقارير صندوق النقد الدولي، رفع البنك المركزي المصري أسعار الفائدة الأساسية بإجمالي 19 نقطة مئوية منذ مارس 2022 وحتى الربع الأول من 2024، قبل أن يبدأ دورة التيسير النقدي في أبريل 2025، مع تحسن مؤشرات التضخم وتراجع الضغوط السعرية تدريجيًا.
2022.. انطلاق دورة التشديد لمواجهة التضخم
بدأ البنك المركزي المصري دورة رفع أسعار الفائدة في مارس 2022، بالتزامن مع ارتفاع التضخم عالميًا وزيادة أسعار الطاقة والسلع الأساسية، فضلًا عن اضطرابات سلاسل الإمداد، وهي عوامل انعكست على تكلفة الواردات والأسعار داخل السوق المحلية.
وخلال العام، رفع المركزي أسعار الفائدة بإجمالي 8 نقاط مئوية عبر عدة قرارات، في محاولة لاحتواء الضغوط التضخمية ودعم استقرار سوق الصرف.
لكن تأثير هذه الإجراءات لم يظهر بصورة فورية؛ إذ استمرت الضغوط على الأسعار بالتزامن مع ارتفاع تكلفة الاستيراد وتراجع قيمة الجنيه، بما أبرز أن السياسة النقدية وحدها لا تكفي لمعالجة التضخم عندما تكون أسبابه مرتبطة بعوامل خارجية واختلالات في العرض وسعر الصرف.
2023.. الفائدة ترتفع والتضخم يسجل مستويات قياسية
واصل البنك المركزي تشديد سياسته النقدية خلال 2023، ورفع أسعار الفائدة بإجمالي 3 نقاط مئوية، من خلال زيادة قدرها 200 نقطة أساس في مارس، تلتها زيادة أخرى بواقع 100 نقطة أساس في أغسطس.
وبذلك ارتفع إجمالي الزيادات منذ مارس 2022 إلى 11 نقطة مئوية بنهاية أغسطس 2023، في وقت سجل فيه معدل التضخم السنوي في المدن 35.7% خلال يونيو من العام نفسه، وفق البيانات المشار إليها في تقارير صندوق النقد الدولي.
وأدت أسعار الفائدة المرتفعة إلى زيادة تكلفة التمويل والاقتراض، بالتزامن مع تعزيز جاذبية الادخار بالجنيه المصري.
وفي المقابل، أشار صندوق النقد الدولي إلى انكماش الاستثمار المحلي الإجمالي لعدة فصول متتالية، وسط عوامل متعددة، من بينها تراجع الاستثمارات العامة وتأثير ارتفاع تكلفة التمويل على استثمارات القطاع الخاص.
2024.. زيادة استثنائية ترفع الفائدة إلى مستويات مرتفعة
مثّل الربع الأول من 2024 محطة بارزة في مسار التشديد النقدي، بعدما قرر البنك المركزي رفع أسعار الفائدة بواقع 200 نقطة أساس في فبراير، ثم 600 نقطة أساس في مارس، لتصل الزيادة الإجمالية خلال الربع الأول إلى 8 نقاط مئوية.
وبذلك بلغ إجمالي الزيادات منذ بداية دورة التشديد في مارس 2022 نحو 19 نقطة مئوية، ووصل سعر عائد الإيداع لليلة واحدة إلى 27.25%، بينما ارتفع سعر الإقراض إلى 28.25%.
وتزامنت زيادة مارس مع الانتقال إلى نظام سعر صرف مرن ضمن حزمة تحركات اقتصادية استهدفت معالجة اختلالات سوق الصرف وتعزيز توافر النقد الأجنبي.
وعلى صعيد التضخم، تراجع المعدل السنوي في المدن من 33.3% في مارس 2024 إلى 24.1% في ديسمبر من العام نفسه. ومع ذلك، لا يمكن إرجاع هذا الانخفاض إلى رفع الفائدة وحده، في ظل تداخل عوامل أخرى، تشمل تطورات سعر الصرف وتوافر النقد الأجنبي وتغيرات المعروض وتكاليف الإنتاج.
2025 و2026.. بداية خفض الفائدة تدريجيًا
بعد الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة، بدأ البنك المركزي المصري دورة التيسير النقدي في أبريل 2025، مع تحسن مسار التضخم وظهور مساحة تسمح بتخفيف التشديد النقدي تدريجيًا.
ووفقًا لتقرير صندوق النقد الدولي المشار إليه في البيانات المنشورة خلال 2026، خفض البنك أسعار الفائدة الأساسية بإجمالي 725 نقطة أساس خلال 2025، ثم أجرى خفضًا إضافيًا بواقع 100 نقطة أساس في فبراير 2026، ليصل إجمالي التخفيضات منذ بدء دورة التيسير إلى 825 نقطة أساس.
وسجل التضخم السنوي 14.1% بنهاية 2025، مقارنة بـ28.3% في نهاية 2024، وهو ما دعم التوجه نحو خفض الفائدة تدريجيًا، مع استمرار متابعة المخاطر التي قد تؤثر على مسار الأسعار.
وبحسب أحدث قرار رسمي أشار إليه التقرير بتاريخ 24 سبتمبر 2026، أبقت لجنة السياسة النقدية أسعار الفائدة دون تغيير عند 19% للإيداع لليلة واحدة، و20% للإقراض، و19.5% لسعر العملية الرئيسية.
كيف انعكست أسعار الفائدة على المواطنين والشركات؟
كشفت التحولات النقدية خلال السنوات الماضية عن تأثيرات متباينة على النشاط الاقتصادي، إذ ساهمت الفائدة المرتفعة في زيادة جاذبية الأوعية الادخارية بالجنيه المصري، واستهدفت الحد من ضغوط الطلب واحتواء توقعات التضخم.
وفي المقابل، أدت تكلفة التمويل المرتفعة إلى زيادة أعباء الاقتراض على الشركات والمستثمرين، وهو ما قد يحد من التوسع في المشروعات الإنتاجية ويؤثر على قرارات الاستثمار.
أما بالنسبة للمواطنين، فقد وفرت شهادات الادخار والأوعية ذات العائد المرتفع فرصًا لتحقيق عوائد أكبر على المدخرات، بينما انعكست تكلفة التمويل على بعض قرارات الشراء بالتقسيط والإنفاق الاستهلاكي.
وتظل آثار أسعار الفائدة متفاوتة بحسب طبيعة النشاط الاقتصادي، ومدى الاعتماد على التمويل المصرفي، وحجم المدخرات، ومستوى التضخم.
هل تكفي الفائدة وحدها لتحقيق الاستقرار الاقتصادي؟
توضح تجربة مصر بين 2022 و2026 أن رفع الفائدة يمثل أداة مهمة لمواجهة التضخم، لكنه لا يعالج بمفرده جميع العوامل المؤدية إلى ارتفاع الأسعار، خصوصًا عندما ترتبط بزيادة تكلفة الاستيراد أو تحركات سعر الصرف أو نقص المعروض من السلع والخدمات.
ويظل دعم الإنتاج المحلي، وتحفيز الاستثمار، وزيادة المعروض من السلع، وتعزيز الموارد من النقد الأجنبي، إلى جانب التنسيق بين السياسة النقدية والسياسات المالية، من العوامل المهمة لدعم الاستقرار الاقتصادي وتحقيق نمو أكثر استدامة.


