البنوك المركزية تشدد قبضتها على التضخم.. الفائدة ترتفع والطاقة تعيد رسم خريطة السياسة النقدية
دخلت السياسة النقدية العالمية مرحلة جديدة من التشدد، مع عودة التضخم إلى صدارة المخاطر الاقتصادية، مدفوعًا بارتفاع أسعار الطاقة واستمرار الضغوط على تكاليف الإنتاج والنقل، ما دفع عددًا من البنوك المركزية الكبرى إلى رفع أسعار الفائدة أو الإبقاء عليها عند مستويات مرتفعة.
وتشير القرارات الأخيرة إلى أن صانعي السياسة النقدية باتوا أمام معادلة أكثر تعقيدًا، إذ لم يعد التعامل مع التضخم مرتبطًا بقوة الطلب المحلي فقط، وإنما بتداعيات صدمات الطاقة والتوترات الجيوسياسية على الأسعار وسلاسل الإمداد.
الفيدرالي الأمريكي يرفع الفائدة 25 نقطة أساس
جاء الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في مقدمة البنوك المركزية التي اتخذت خطوة تشديدية واضحة، بعدما قرر في 16 سبتمبر رفع سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية بمقدار 25 نقطة أساس، إلى نطاق بين 3.75% و4%.
وصدر القرار بالإجماع، إذ صوت أعضاء لجنة السوق المفتوحة الـ12 لصالح الزيادة، في أول رفع للفائدة الأمريكية منذ 2023. وأكد الفيدرالي أن التضخم لا يزال مرتفعًا، مشيرًا إلى أن القرار يستهدف دعم عودة التضخم إلى مستوى 2% في الوقت المناسب.
ويعكس القرار تحولًا في مسار السياسة النقدية الأمريكية، بعدما أصبحت ضغوط الأسعار، إلى جانب تداعيات التطورات الجيوسياسية وارتفاع تكاليف الطاقة، عاملًا رئيسيًا في حسابات البنك بشأن الخطوات المقبلة.
المركزي الأوروبي يرفع الفائدة لمواجهة صدمة الطاقة
وفي منطقة اليورو، قرر البنك المركزي الأوروبي في 10 سبتمبر رفع أسعار الفائدة الرئيسية بمقدار 25 نقطة أساس، على أن تدخل المستويات الجديدة حيز التنفيذ في 16 سبتمبر.
وبموجب القرار، ارتفعت فائدة الإيداع إلى 2.50%، وسعر عمليات إعادة التمويل الرئيسية إلى 2.65%، بينما بلغت فائدة الإقراض الهامشي 2.90%.
وبرر البنك تحركه باستمرار الضغوط التضخمية المرتبطة بالصراع في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار الطاقة، متوقعًا أن يبلغ متوسط التضخم 3% خلال 2026، قبل أن يتراجع إلى 2.5% في 2027 و2.1% في 2028.
وأوضح المركزي الأوروبي أن التضخم في منطقة اليورو ارتفع إلى 3.3% في أغسطس، مقابل 2.9% في يوليو، بينما قفز تضخم الطاقة إلى 14.3%، ما يعكس حجم التأثير المباشر لارتفاع تكاليف الطاقة على الأسعار.
بنك إنجلترا يبقي الفائدة مرتفعة.. و3 أعضاء يطالبون بالزيادة
على الجانب الآخر، أبقى بنك إنجلترا سعر الفائدة عند 3.75% في اجتماعه الأخير، لكن القرار كشف عن تصاعد المخاوف بشأن التضخم.
وصوت 6 أعضاء من لجنة السياسة النقدية لصالح الإبقاء على الفائدة، مقابل 3 أعضاء فضلوا رفعها بمقدار 25 نقطة أساس إلى 4%.
وحذر البنك من أن التضخم البريطاني، الذي بلغ 3.1% في أغسطس، قد يرتفع إلى أكثر قليلًا من 4% خلال الربع الأول من 2027، في ظل استمرار ارتفاع أسعار الطاقة. كما أشار إلى أن استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة لفترة أطول يزيد احتمالات انتقال الضغوط السعرية إلى الأجور والأسعار المحلية.
ويعني ذلك أن بنك إنجلترا أبقى الباب مفتوحًا أمام تشديد إضافي إذا استمرت صدمة الطاقة وأصبحت آثارها أكثر رسوخًا في الاقتصاد.
الطاقة تعيد حسابات البنوك المركزية
تكشف القرارات الثلاثة عن قاسم مشترك يتمثل في الدور المتزايد لأسعار الطاقة في تحديد اتجاه السياسة النقدية.
فارتفاع أسعار النفط والغاز لا ينعكس فقط على فواتير الطاقة، لكنه يمتد إلى تكاليف النقل والصناعة والخدمات والغذاء، وقد يؤدي مع استمرار الصدمة إلى انتقال التضخم من تأثير مباشر ومؤقت إلى ضغوط أكثر اتساعًا واستدامة.
ولهذا تتعامل البنوك المركزية مع صدمة الطاقة بحذر، خصوصًا أن رفع الفائدة يمكن أن يحد من الطلب ويكبح التضخم، لكنه لا يستطيع بصورة مباشرة زيادة إمدادات النفط أو الغاز أو معالجة أسباب الصدمات الجيوسياسية.
ماذا يعني التشدد النقدي للأسواق والمواطنين؟
عادةً ما يؤدي ارتفاع أسعار الفائدة إلى زيادة تكلفة الاقتراض للأفراد والشركات، سواء بالنسبة للقروض أو التمويل العقاري والاستثماري، في الوقت نفسه الذي قد ترتفع فيه جاذبية أدوات الادخار والأصول ذات العائد.
كما يمكن أن تتأثر أسواق الأسهم والسندات بتغير توقعات الفائدة، إذ ترتفع تكلفة التمويل وتتغير تقييمات الاستثمارات مع تحرك عوائد السندات.
وفي المقابل، تستهدف البنوك المركزية من خلال التشدد النقدي تهدئة الطلب وتقليل احتمالات انتقال ارتفاع الأسعار إلى الأجور والخدمات والسلع، بما يساعد في النهاية على إعادة التضخم إلى المستويات المستهدفة.
مثلث الفائدة والتضخم والطاقة
أصبحت الفائدة والتضخم والطاقة تشكل مثلثًا ضاغطًا على الاقتصاد العالمي، في وقت تحاول فيه البنوك المركزية تجنب سيناريو ترسخ التضخم من جهة، والحفاظ على النشاط الاقتصادي من جهة أخرى.
ومع استمرار حالة عدم اليقين بشأن أسعار الطاقة والتوترات الجيوسياسية، ستظل قرارات الفائدة المقبلة مرتبطة بدرجة كبيرة بالبيانات الجديدة حول التضخم وتوقعات الأسعار ومدى انتقال صدمة الطاقة إلى الاقتصاد.
وبذلك، لا تبدو معركة التضخم محسومة بعد، بينما تترقب الأسواق قرارات البنوك المركزية المقبلة لمعرفة ما إذا كانت موجة التشدد النقدي ستتواصل، أم أن انحسار الضغوط السعرية سيسمح بتغيير مسار الفائدة خلال الفترة المقبلة.
