الإثنين 24 أغسطس 2026
رئيس التحرير
عمرو عامر
رئيس التحرير
عمرو عامر
بنوك خارجية

النقد يكتسح تونس.. 30 مليار دينار خارج الحسابات المصرفية

الإثنين 24/أغسطس/2026 - 08:55 م
ارشيفية
ارشيفية

تتزايد وتيرة الاعتماد على النقد في تونس بصورة لافتة، بعدما كشفت بيانات البنك المركزي التونسي عن وصول حجم النقد المتداول إلى مستوى قياسي تجاوز 30 مليار دينار، في مؤشر يعكس استمرار خروج جزء أكبر من الأموال خارج الجهاز المصرفي، ويضع ضغوطًا إضافية على سيولة البنوك وقدرتها على تمويل الاقتصاد.

وأظهرت بيانات البنك المركزي، الصادرة يوم الاثنين 24 أغسطس/آب، ارتفاع النقد المتداول بنحو 16% على أساس سنوي، ليصل إلى 30.04 مليار دينار في 21 أغسطس، مقابل نحو 25.9 مليار دينار في الفترة نفسها من العام الماضي.

وبحساب سعر الصرف المشار إليه، يعادل هذا الرقم نحو 10.5 مليار دولار.

30 مليار دينار خارج الحسابات

الرقم القياسي لا يعكس فقط زيادة في كمية الأموال النقدية الموجودة في السوق، وإنما يشير إلى تحول جزء متزايد من الأموال بعيدًا عن الحسابات المصرفية.

فكلما زاد حجم النقد الموجود لدى الأفراد والشركات بدلًا من إيداعه في البنوك، تقل الأموال المتاحة أمام الجهاز المصرفي لتكوين الودائع وتمويل القروض الموجهة إلى الأسر والشركات.

وهنا تظهر المشكلة الأساسية...

أموال أكثر خارج البنوك تعني سيولة مصرفية أقل يمكن توظيفها في تمويل النشاط الاقتصادي.

قانون الشيكات يغير سلوك السوق

ويربط محللون ماليون جانبًا من الزيادة في استخدام النقد بالتغييرات التي أدخلها قانون جديد على التعامل بالشيكات، بعدما فرض قيودًا أكبر وشدد القواعد والعقوبات المتعلقة بالشيكات غير المسددة أو غير الصالحة.

هذه التغييرات دفعت بعض المتعاملين إلى إعادة النظر في أدوات الدفع التي يستخدمونها، والاتجاه بصورة أكبر إلى النقد في تسوية معاملاتهم.

ولم يقتصر ذلك على الأفراد، بل امتد أيضًا إلى بعض الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي أصبحت أكثر ميلًا للاعتماد على المدفوعات النقدية في ظل التغيرات التي طرأت على استخدام الشيكات.

لماذا يفضل التونسيون «الكاش»؟

رغم التوسع التدريجي في المدفوعات الإلكترونية والخدمات المصرفية الرقمية، لا يزال النقد يحتفظ بمكانة قوية في المعاملات اليومية داخل تونس.

وتزداد هذه الظاهرة خارج المدن الكبرى، حيث لا تزال الخدمات الرقمية ووسائل الدفع الإلكتروني أقل انتشارًا مقارنة بالمراكز الحضرية.

وبالتالي، فإن الاعتماد على «الكاش» لا يرتبط بعامل واحد، وإنما يتداخل فيه سلوك المستهلك، وانتشار أدوات الدفع الإلكتروني، والثقة في الخدمات المصرفية، إلى جانب التغيرات التشريعية الخاصة بالشيكات.

البنوك أمام تحدٍ جديد

وتضع الزيادة المتواصلة في النقد المتداول البنوك التونسية أمام تحدٍ يتعلق بإدارة السيولة وتمويل الاقتصاد.

فالأموال التي يتم سحبها من الحسابات والاحتفاظ بها نقدًا خارج الجهاز المصرفي لا تتحول إلى ودائع مصرفية يمكن للبنوك إعادة توظيفها في صورة قروض للشركات والأسر.

وهذا يعني أن استمرار الاتجاه الصعودي للنقد المتداول قد يفرض ضغوطًا أكبر على قدرة البنوك على توفير التمويل، خصوصًا إذا تزامن مع ارتفاع الطلب على الائتمان.

 

الاقتصاد التونسي بين «الكاش» والرقمنة

وتكشف القفزة إلى أكثر من 30 مليار دينار عن مفارقة في الاقتصاد التونسي: ففي الوقت الذي تتوسع فيه الخدمات المصرفية الرقمية والمدفوعات الإلكترونية تدريجيًا، لا يزال النقد هو الوسيلة المفضلة لقطاع واسع من المتعاملين.

وتصبح المهمة أمام القطاع المصرفي والجهات التنظيمية مزدوجة؛ فمن ناحية، هناك حاجة إلى تعزيز الثقة في الخدمات الرقمية وتوسيع انتشارها، ومن ناحية أخرى، تقليل الاعتماد المفرط على النقد بما يحافظ على السيولة داخل الجهاز المصرفي ويدعم قدرة البنوك على تمويل النشاط الاقتصادي.