حرب إيران وأزمات الطاقة تعززان تمسك الصين بالفحم كمصدر استراتيجي
تواصل الشركات الصينية التوسع في خطط إنشاء محطات جديدة لتوليد الكهرباء بالفحم، في خطوة تعكس تنامي مخاوف أمن الطاقة داخل أكبر مستهلك للفحم في العالم، رغم تعهدات الحكومة بخفض الاعتماد على الوقود الأحفوري والتحول نحو الطاقة النظيفة.
وبحسب بيانات صادرة عن غلوبال إنرجي مونيتور، طلبت الشركات الصينية الموافقة على إنشاء محطات جديدة بقدرة تصل إلى 51 غيغاواط خلال الربع الأول من عام 2026، مقارنة بإجمالي 162 غيغاواط من الطلبات المقدمة طوال عام 2025.
ويعكس هذا الاتجاه استمرار الرهان الصيني على الفحم باعتباره مصدراً أساسياً لضمان استقرار إمدادات الكهرباء، خصوصاً مع تصاعد التوترات الجيوسياسية واضطرابات أسواق الطاقة العالمية.
الفحم يعود بقوة إلى المشهد الصيني
شهدت الصين خلال السنوات الأخيرة موجات نقص حادة في الكهرباء، خاصة في عامي 2021 و2022، ما دفع السلطات إلى دعم التوسع في محطات الفحم باعتبارها مصدراً مستقراً للطاقة مقارنة بمصادر الطاقة المتجددة المتقطعة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
ورغم التقدم الكبير الذي حققته بكين في مشروعات الطاقة النظيفة، لا تزال الحكومة تعتبر الفحم جزءاً رئيسياً من استراتيجية أمن الطاقة، خاصة في ظل الضغوط المرتبطة بالنمو الصناعي والطلب المرتفع على الكهرباء.
ويأتي هذا التوسع أيضاً في وقت تشهد فيه الأسواق العالمية اضطرابات متزايدة نتيجة الحرب في الشرق الأوسط، ما أعاد ملف أمن الطاقة إلى صدارة أولويات الحكومات.
الحكومة تحاول كبح التوسع
ورغم الزيادة الكبيرة في المقترحات الجديدة، فإن السلطات الصينية تحاول في الوقت نفسه الحد من التوسع المفرط في محطات الفحم.
وأكدت الحكومة الصينية أنها تستهدف وصول استخدام الفحم إلى ذروته قبل عام 2030، ضمن خططها لخفض الانبعاثات الكربونية وتحقيق الحياد المناخي على المدى الطويل.
كما أعلنت وزارة البيئة الصينية خلال أبريل الماضي أنها تعتزم “التحكم الرشيد” في قدرات توليد الكهرباء بالفحم، في محاولة لتحقيق توازن بين أمن الطاقة والالتزامات البيئية.
وتشير البيانات إلى أن السلطات وافقت حتى الآن على مشروعات بقدرة 3 غيغاواط فقط من إجمالي الطلبات المقدمة خلال الربع الأول، ما يعكس استمرار الحذر الحكومي تجاه موجة التوسع الحالية.
الطاقة النظيفة تضغط على الفحم
تأتي موجة محطات الفحم الجديدة في وقت تتوسع فيه الصين بقوة في الطاقة النظيفة، سواء من خلال الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح أو مشروعات تخزين الكهرباء.
وبحسب تقارير الطاقة، انخفض توليد الكهرباء الحرارية في الصين العام الماضي للمرة الأولى منذ عقد، قبل أن يعاود الارتفاع لاحقاً، بينما تراجع معدل استخدام محطات الفحم من 56% إلى 52% خلال 2025.
ويرى خبراء أن التوسع الجديد قد يؤدي إلى فائض في القدرات الإنتاجية، ما يهدد بتحويل استثمارات ضخمة إلى أصول منخفضة الكفاءة مستقبلاً، في ظل تسارع نمو الطاقة المتجددة.
وقالت كريستين شيرر، الباحثة في غلوبال إنرجي مونيتور، إن النقاش داخل الصين لم يعد يركز فقط على قدرة الطاقة المتجددة على النمو، بل على مدى استعداد صناع القرار للسماح بتراجع دور الفحم فعلياً.
مخاطر التعدين تعود للواجهة
سلط التوسع المستمر في الفحم الضوء مجدداً على المخاطر المرتبطة بصناعة التعدين في الصين، خاصة بعد حادث منجم الفحم الأخير الذي أسفر عن مقتل 82 شخصاً، في واحد من أكثر الحوادث دموية خلال السنوات الماضية.
ويؤكد الحادث حجم التحديات المرتبطة باستمرار الاعتماد على الفحم، سواء من الناحية البيئية أو الإنسانية أو الاقتصادية.
أمن الطاقة يتفوق على المناخ؟
يرى مراقبون أن التطورات الجيوسياسية الأخيرة، بما فيها اضطرابات أسواق النفط والغاز العالمية، عززت قناعة بكين بأهمية الحفاظ على الفحم كخيار استراتيجي يضمن استقرار الإمدادات الكهربائية.
لكن في المقابل، يثير هذا التوسع تساؤلات بشأن قدرة الصين على تحقيق أهدافها المناخية، خاصة مع كونها أكبر مصدر للانبعاثات الكربونية في العالم.
ومع استمرار الحرب واضطرابات الطاقة العالمية، يبدو أن معادلة “أمن الطاقة مقابل التحول الأخضر” ستظل أحد أبرز التحديات التي تواجه السياسات الاقتصادية والبيئية الصينية خلال السنوات المقبلة.
