عمرو عامر يكتب: المركزي.. قيادة احترافية في قلب العاصفة
مصر لاتفرغ من الرجال أبدا وفي كل مرحلة دقيقة يتقدم رجال لايهابون الخطر ولا يخشون إصدارات القرارات ورسم السياسات، لذا لدى مصر معين لا ينضب من خيرة أولادها في شتى الميادين وقادرون على صناعة الفارق في الأزمات بل وإدارتها وتحويل المحن إلى منح والعاصفة إلى سحابة ممطرة بالخير، وليقف العالم شاهدا مندهشا حول قدرة الدولة المصرية على السباحة بثقة في قلب الأعاصير وعكس التيار أحيانا دون أن تغرق...
وفي زمنٍ تتكالب فيه الأزمات العالمية، وتشتد الضغوط على اقتصادات الدول الناشئة والمتقدمة معا، تبرز قيمة القيادة النقدية القادرة على تحويل التحديات إلى فرص، وهنا يفرض اسم حسن عبد الله نفسه كأحد أبرز النماذج في إدارة السياسة النقدية باحترافية وهدوء أعصاب، في واحدة من أصعب الفترات التي مر بها الاقتصاد المصري.
منذ توليه المسؤولية في أغسطس 2022، لم يكن المشهد سهلاً حيث النزيف الحاد في العملة الأجنبية، ضغوط تضخمية غير مسبوقة، تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، وهروب استثمارات أجنبية، لكن ما يميز الأداء ليس غياب الأزمات، بل القدرة على إدارتها، وهنا تحديدًا تتجلى بصمة محافظ البنك المركزي المصري وتظهر احترافيته وقوته العقلية الاقتصادية.
أول مؤشرات النجاح كانت في ملف الاحتياطي النقدي، الذي لم يعد مجرد رقم اقتصادي، بل خط دفاع استراتيجي، فقد قفز الاحتياطي من 33 مليار دولار في بداية توليه، إلى أكثر من 52 مليار دولار بحلول مطلع 2026، مسجلًا مستويات تاريخية تعكس قوة إدارة السيولة الأجنبية وقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الدولية، وتجسيدا على إدارة رفيعة المستوى لأخطر الملفات وفي عين عاصفة عالمية أوهنت أقوى الاقتصاديات، هذه القفزة لمن يعرف من أهل الاقتصاد لم تأت صدفة، بل نتيجة سياسات متوازنة وخطط صنعت بعناية في غرف صنع القرار بالمركزي، جمعت بين جذب التدفقات الأجنبية، وتعزيز تحويلات المصريين بالخارج، وتوسيع قاعدة التمويل، ومواجهة مافيا التخريب وتهريب النقد الأجنبي للخارج، يقابله بالتوازي خطط أخرى لوقف نزيف الدولار عن طريق تعميق التصنيع المحلي وتقليل فاتورة الاقتصاد بالتوازي مع زيادة الصادرات لتكون المنفعة مزدوجة.
أما على صعيد الجنيه المصري، فقد كان التحدي الأكبر هو استعادة الثقة، وجاءت الخطوة الأجرأ في تاريخ المركزي على يد حسن عبد الله والذي أصدر قرارات تحرير سعر الصرف وجعل السعهر حرا للعرض والطلب، وهي مهمة لم تكن سهلة أو شعبية، لكنها كانت ضرورية لإنهاء التشوهات والقضاء على السوق الموازية، خطوة خشي منها كل محافظي المركزي ممن سبقوه، فالقرار كان يحتاج لقلب أسد وميزان حساس لكل التبعات، والنتيحة عودة الانضباط لسوق النقد وفتح الباب أمام التدفقات الدولارية الضخمة والصفقات المليارية وهرولة المستثمرين للسوق المصري والذي بات الأفضل من بين الأسواق الناشئة بعد قرارت التصحيح المالي التي قادها عبد الله، وهنا يظهر الفارق بين إدارة الأزمة وتأجيلها قد تكون الأولى مؤلمة لكنها تبني أساسًا صلبًا، والثانية مريحة مؤقتًا لكنها مكلفة لاحقًا.
ولعل أبرز ما يحسب لهذه المرحلة هو القدرة على تحقيق توازن دقيق بين كبح التضخم ودعم النمو، فبعد أن لامس التضخم مستويات تجاوزت 40%، بدأ في التراجع تدريجيًا حتى وصل إلى مستويات قريبة من 11% مطلع 2026، في مؤشر واضح على فعالية أدوات السياسة النقدية، هذه النتائج لم تكن ممكنة دون جرأة في قرارات الفائدة ومرونة في التوقيت.
لكن النجاح الحقيقي لا يُقاس فقط بالأرقام، بل باستعادة الثقة، فقد تحوّل صافي الأصول الأجنبية من عجز كبير إلى فائض، وارتفعت مؤشرات التصنيف الائتماني، وعادت تدفقات الاستثمار، وهو ما يعكس أن الاقتصاد لم يصمد فقط، بل بدأ يستعيد توازنه، كما أن حصوله على جوائز دولية مثل "محافظ العام 2025" يعكس تقديرًا مهنيًا يتجاوز الحدود المحلية.
ولا يمكن فصل هذا الأداء عن الدعم السياسي الواضح، حيث تعكس لقاءات الرئيس عبد الفتاح السيسي مع محافظ البنك المركزي ثقة كبيرة في إدارة الملف النقدي، وإدراكًا لدور الاستقرار المالي كركيزة أساسية للأمن القومي الاقتصادي، هذه العلاقة بين صانع القرار السياسي والقيادة النقدية كانت عنصرًا حاسمًا في سرعة اتخاذ القرار وتنفيذه.
ما قدمه حسن عبد الله لمصر ومازال يقدمه ليس مجرد إدارة تقليدية للبنك المركزي، بل نموذج لقيادة نقدية واجهت عاصفة عالمية بأدوات احترافية، ونجحت في الحفاظ على تماسك الاقتصاد، وتعزيز احتياطياته، واستعادة الثقة في عملته، وبينما لا تزال التحديات قائمة، فإن ما تحقق حتى الآن يؤكد أن مصر لم تعد في موقع رد الفعل، بل بدأت تستعيد زمام المبادرة.. فهكذا تبنى الثقة… وهكذا تدار الدول في أوقات الأزمات.. تحية لرجل المركزي القوي.
