قلق كبير.. كيف يؤثر الصراع بين أوروبا وأمريكا حول جزيرة جرينلاند على أسعار الذهب والفضة؟
يفتح الصعود الحاد في أسعار الذهب والفضة نافذة كاشفة على تحوّل أعمق يضرب بنية النظام العالمي نفسه، حيث لم تعد الاضطرابات محصورة في صراعات بين قوى متنافسة، بل امتدت هذه المرة إلى داخل التحالف الغربي، في مشهد غير مسبوق من حيث الحدة والتوقيت والدلالات، فما يجري اليوم ليس مجرد توتر سياسي عابر، بل تعبير واضح عن تصدع الثقة بين أطراف يفترض أنها تقف في خندق واحد منذ عقود.
شرارة هذا التحول جاءت من ملف بدا حتى وقت قريب هامشيا في الحسابات الجيوسياسية "جزيرة جرينلاند"، جزيرة متجمدة، قليلة السكان، بعيدة عن مراكز القرار، لكنها تحولت فجأة إلى نقطة اشتباك مباشر بين الولايات المتحدة وأوروبا، بعدما أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تهديدات غير مسبوقة تجاه الأوروبيين، قابلتها العواصم الأوروبية هذه المرة بردود حادة ومباشرة، كاسرةً نمط التهدئة الذي حكم العلاقات عبر سنوات طويلة.
تصعيد اقتصادي مكشوف
اللافت في هذه المواجهة أنها لم تتوقف عند حدود التصريحات السياسية، بل انتقلت سريعًا إلى قرارات اقتصادية ملموسة، فقد أعلنت واشنطن فرض تعريفات جمركية على ثماني دول أوروبية، من بينها فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، بنسبة 10% اعتبارًا من فبراير.

وكشف محللون عن إمكانية وصول هذه الرسوم - في حال استمرار اتصعيد - قد يصل بهذه الرسوم إلى 25% بحلول يونيو المقبل، وهذا التحرك مثّل رسالة واضحة بأن الخلاف تجاوز مرحلة الضغط السياسي إلى سلاح الاقتصاد والتجارة.
وهنا، بدأ الأثر الحقيقي يتسلل إلى الأسواق، الدولار تراجع، ليس بسبب ضعف اقتصادي مباشر، بل نتيجة اهتزاز الثقة في استقرار التحالفات الغربية نفسها، فعندما تتصادم المصالح بين الحلفاء، تصبح قواعد اللعبة أكثر غموضًا، وتفقد الأسواق قدرتها على التنبؤ، وهو ما يدفع رؤوس الأموال إلى البحث عن ملاذات لا تخضع لمنطق السياسة.
أزمة جرينلاند.. كيف تؤثر على أسعار الذهب والفضة
ما حدث وصفه محللون بأنه «صدمة ثقة»، وهي أخطر من أي أزمة مؤقتة، فالخلافات التقليدية يمكن احتواؤها أو تجاوزها، أما حين تهتز الثقة بين الحلفاء، فإن أثرها يكون ممتدًا وعميقًا، لأن المستثمرين يعيدون تقييم النظام ككل، لا الحدث ذاته.
هذا الإدراك انعكس مباشرة على أسعار المعادن النفيسة، فالذهب، بوصفه مخزنًا تاريخيًا للقيمة في أوقات الاضطراب، اندفع بقوة ليتخطى مستوى 4800 دولار للأونصة، في إشارة واضحة إلى انتقال الأسواق من حالة القلق المؤقت إلى التحوط طويل الأجل.
ولم يكن الأمر بمنأى عن الفضة، التي بدورها لم تكن بعيدة عن هذا المشهد، إذ قفزت نحو مستويات تاريخية، مقتربة من حاجز 100 دولار، مدفوعة بتداخل دورها كمعدن صناعي وملاذ استثماري في آن واحد.
أوروبا تكسر الصمت
الرد الأوروبي جاء هذه المرة مختلفًا في الشكل والمضمون. فبدلا من امتصاص الصدمة أو الاكتفاء بالتحذيرات الدبلوماسية، عقد قادة الاتحاد الأوروبي اجتماعًا ناقشوا خلاله فرض رسوم انتقامية على سلع أمريكية بقيمة تصل إلى 93 مليار يورو.
وهذه الخطوة لم تكن مجرد رد فعل، بل إعلان صريح بأن أوروبا لن تقف موقف المتلقي، وأن الصراع التجاري مرشح للتوسع بدلًا من الاحتواء.
وهذا المسار التصعيدي عزز قناعة الأسواق بأن المواجهة لن تكون قصيرة الأجل، وأن الاقتصاد العالمي قد يكون على أعتاب مرحلة جديدة من إعادة الاصطفاف، تتراجع فيها منطق الشراكات المستقرة لصالح حسابات القوة والنفوذ.
توقعات بتجاوز أسعار الذهب 5,000 دولار
في ظل هذه الصورة القاتمة، جاءت توقعات المؤسسات المالية الكبرى لتعكس عمق التحول الجاري، إذ ترى مجموعة سيتي جروب أن الذهب مرشح للوصول إلى 5,000 دولار للأونصة خلال ثلاثة أشهر فقط، ليس كقفزة مضاربية، بل كنتيجة طبيعية لتآكل الثقة في النظام الاقتصادي والسياسي العالمي، كما تتوقع المجموعة أن تلامس الفضة مستوى 100 دولار، مدفوعة بنفس العوامل التي تدفع الذهب إلى القمة.

هذه التوقعات لا تنطلق من أرقام مجردة، بل من قراءة لمشهد دولي يتغير بسرعة، حيث تتداخل السياسة بالاقتصاد، وتتحول الخلافات الاستراتيجية إلى أدوات ضغط مالي مباشر.
نهاية مرحلة أم بداية فوضى محسوبة؟
يبقى السؤال الأهم مفتوحًا: هل دخل العالم مرحلة جديدة من صراعات النفوذ حتى داخل التحالفات التاريخية؟ وإذا كان الجواب نعم، فإن أسعار الذهب والفضة قد لا تكون عند هذه المستويات سوى انعكاس أولي لتحولات أعمق قادمة.
ففي عالم تتراجع فيه الثقة، وتتصادم فيه المصالح داخل المعسكر الواحد، يصبح المعدن الأصفر والفضة أكثر من مجرد أصول استثمارية بل مؤشرين صريحين على حجم القلق الذي يسيطر على النظام العالمي بأكمله.
