الثلاثاء 06 يناير 2026
رئيس التحرير
عمرو عامر
رئيس التحرير التنفيذي
أحمد لطفي
رئيس التحرير
عمرو عامر
رئيس التحرير التنفيذي
أحمد لطفي
تحليل

لماذا لا يشعر المواطن بالتحسن الاقتصادي؟.. الوجه الخفي لأزمة ديون مصر

السبت 03/يناير/2026 - 09:30 م
أزمة الديون في مصر
أزمة الديون في مصر

يعود ملف ديون مصر إلى صدارة المشهد الاقتصادي والسياسي، لا باعتباره رقما مجردا في جداول الموازنة، بل كقضية تمس جوهر الاستقرار المالي ومستقبل معيشة المواطن، لاسيما بعدما أعادت تصريحات حكومية متتالية فتح النقاش، بعد إعلان الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، استهداف خفض الدين العام إلى أدنى مستوياته منذ نحو نصف قرن، في رسالة تحمل قدرا كبيرا من الطموح، لكنها في الوقت نفسه اصطدمت بواقع لا يمكن تجاوزه.

وتسعى الحكومة إلى تقديم سردية مفادها أن مسار الدين بات تحت السيطرة، وأن إجراءات الإصلاح المالي بدأت تؤتي ثمارها، لكن البيانات الحديثة تكشف مسارا أكثر تعقيدا، فالدين الخارجي عاد للارتفاع ليصل إلى نحو 161 مليار دولار حتى يونيو من العام الحالي، بينما تجاوز الدين المحلي مستوى 11 تريليون جنيه، وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول طبيعة هذا الخفض المستهدف: هل هو خفض حقيقي في العبء، أم إعادة ترتيب للأرقام داخل الإطار نفسه؟

نسبة الدين إلى الناتج.. ماذا تعني؟

يرتكز الخطاب الرسمي في جزء كبير منه على نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، باعتبارها المؤشر الأبرز للحكم على سلامة الوضع المالي، لكن هذا المؤشر، رغم شيوعه، لا يحمل الإجابة الكاملة، فالناتج المحلي في جوهره قيمة السلع والخدمات المنتجة داخل الاقتصاد خلال عام، وهو رقم يعكس النشاط الاقتصادي، لا السيولة المتاحة للدولة، فالحكومة لا تنفق من الناتج المحلي، ولا تسدد التزاماتها من أرقامه، ما يجعل الاعتماد عليه وحده أقرب إلى قراءة جزئية لواقع معقد.

المدخل الأكثر دقة لفهم أزمة الدين يكمن في النظر إلى الإيرادات العامة، هنا تتكشف الفجوة الأساسية في الحالة المصرية، إذ لا تتجاوز الإيرادات نسبة 12 إلى 13% من الناتج المحلي، وهي من أدنى المعدلات عالميا وأفريقيا، ما يعني أن الدولة تعمل بهامش مالي شديد الضيق، وفي المقابل، يلتهم الدين الجزء الأكبر من الاستخدامات في الموازنة، حيث تتجاوز خدمته 65% من إجمالي المصروفات، في مؤشر يعكس مدى اختناق السياسة المالية.

أزمة الديون في مصر

صدمة الفوائد: قلب الأزمة

الضغط الحقيقي لا يتمثل فقط في أصل الدين، بل في تكلفة خدمته، وتحديدا الفوائد، فالأرقام تشير إلى أن فوائد الدين تستهلك نحو 88% من حصيلة الضرائب، ما يعني عمليا أن الجزء الأكبر مما تجمعه الدولة من المواطنين والشركات يذهب مباشرة لسداد فوائد، لا لتحسين خدمات أو زيادة استثمارات اجتماعية، هذا الواقع يفسر لماذا لا يشعر المواطن بتحسن ملموس، حتى مع الحديث عن مؤشرات إيجابية في بعض الجداول الرسمية.

وفي هذا السياق، تبرز المقارنات الدولية التي قدمها النائب محمد فؤاد كأداة كاشفة، لا للمقارنة السطحية، بل لفهم الفارق الهيكلي، والذي أكد أن اليابان، التي يتجاوز دينها العام 250% من الناتج المحلي، تمتلك إيرادات عامة تفوق 35%، وتتحمل فائدة شبه صفرية، فضلا عن اعتمادها شبه الكامل على دين محلي.

أما إيطاليا، بدين يقارب 140% من الناتج، تجمع إيرادات تتجاوز 40%، وتملك شبكة حماية اجتماعية تقلل من الأثر المباشر على المواطن، و الفارق الجوهري هنا ليس في حجم الدين، بل في القدرة على خدمته دون خنق الاقتصاد أو تحميل المجتمع كلفة غير محتملة.

وتوضح هذه المقارنات أن السؤال الحقيقي لا يتعلق بما إذا كان الدين مرتفعًا أو منخفضًا كنسبة، بل بقدرة الدولة على تحمله، القدرة تقاس بمرونة الإيرادات، وتكلفة الفائدة، وهيكل الدين، ومدى ارتباط الاقتراض بنشاط إنتاجي يولد عائدا مستداما، وفي الحالة المصرية، يظل هذا التوازن هشا، مع ارتفاع تكلفة الاقتراض وضيق قاعدة الإيرادات.

تحذيرات من اقتصاد الأرقام المجتزأة

يحذر اقتصاديون من الاستمرار في التعاطي مع ملف الدين بمنطق المؤشر الواحد، ومن بين هؤلاء هشام عز العرب، الذي دعا إلى الانتقال من فكرة النسب إلى فكرة السقف الواضح، أي تحديد حد أقصى لقيمة الاقتراض يمكن للاقتصاد تحمله فعليا، مع العمل الجاد على توسيع قاعدة الإيرادات عبر تمكين القطاع الخاص، وتطبيق وحدة الموازنة بما يعزز الشفافية ويمنع ازدواجية الإنفاق.

وفي الاتجاه نفسه، شدد الخبير الاقتصادي الدكتور أحمد هيكل على ضرورة إعادة ترتيب أولويات الاستثمار، مؤكدًا أن أي مشروعات جديدة يجب أن تمتلك عائدا دولارا مباشرا، قادرا على سداد القروض وحماية الاقتصاد من ضغوط إضافية.

أزمة الديون في مصر

الاقتصاد والعائد على المواطن

تؤكد الحكومة أن خفض أعباء الدين سينعكس إيجابيا على المواطن، عبر زيادة الدخول وتحسن مستوى الخدمات، لكن هذه الوعود تصطدم بواقع يومي يشعر فيه المواطن بأن العبء ما زال قائمًا، وأن أثر الإصلاح لا يصل بالسرعة المتوقع، وهنا تتسع فجوة الإحساس بين البيانات الرسمية وتجربة الناس، وهي فجوة لا تردم بالأرقام، بل بالنتائج الملموسة.

ومما لا شك فيه، لا يمكن اختزال ملف ديون مصر في نسبة أو تصريح، فالقضية أعمق من ذلك بكثير، الأرقام قد تبدو مستقرة في بعض الزوايا، لكنها تخفي ضغوطًا حقيقية في زوايا أخرى، المعيار الحاسم يظل هو القدرة على التحمل، وعلى تحويل الاقتراض إلى نمو حقيقي، لا أعباء مؤجلة، ويبقى السؤال الأهم معلقًا: متى ينتقل الحديث عن خفض الدين من لغة المؤشرات إلى واقع يشعر به المواطن في دخله، وخدماته، وأمانه الاقتصادي؟.. هذا ما ستجيب عليه السياسات الحكومية المقبلة.