الأحد 04 يناير 2026
رئيس التحرير
عمرو عامر
رئيس التحرير التنفيذي
أحمد لطفي
رئيس التحرير
عمرو عامر
رئيس التحرير التنفيذي
أحمد لطفي
اقتصاد مصر

ينفع أم يضر.. ماذا لو سددت مصر ديونها بالكامل؟

السبت 03/يناير/2026 - 02:30 م
الديون المصرية
الديون المصرية

في ظل التحديات الاقتصادية العالمية، يظل سؤال "ماذا لو سددت مصر كل ديونها؟" يثير جدلاً واسعاً بين الخبراء والمواطنين على حد سواء، ومع دخول عام 2026، تشير البيانات الحديثة إلى أن الدين العام المصري يشهد مساراً نزولياً، لكنه يظل أداة أساسية للتمويل.

وفي هذا التقرير، من بانكير، نستعرض السيناريو الافتراضي لسداد الديون الكامل، معتمدين على أرقام من صندوق النقد الدولي (IMF)، البنك المركزي المصري، وتقارير دولية أخرى، مع التركيز على التأثيرات الاقتصادية، الاجتماعية، والمالية.

حالة الديون المصرية في 2025-2026

وبحسب أحدث البيانات من البنك المركزي المصري، بلغ الدين الخارجي لمصر 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو 2025، مسجلاً ارتفاعاً طفيفاً بنسبة 5.5% مقارنة بعام 2024، حيث يمثل الدين طويل الأجل نحو 80.8% من الإجمالي (130.3 مليار دولار).

ووفقاً لتقارير صندوق النقد الدولي، يتوقع أن يصل الدين العام إلى حوالي 82-85% من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية 2025، مع هدف حكومي لخفضه إلى 80% بحلول يونيو 2026، مصحوباً بانخفاض الدين الخارجي بقيمة 4 مليارات دولار.

وهذه التوقعات تأتي بعد اتفاق على مستوى الخبراء للمراجعتين الخامسة والسادسة لبرنامج التمويل الموسع في ديسمبر 2025، الذي يؤكد تحسناً في الاحتياطيات النقدية وتدفقات السياحة والتحويلات.

وفي الوقت نفسه، تشير تقديرات S&P Global إلى أن الدين الحكومي يبلغ 82% من الناتج في السنة المالية 2025، مع ارتفاع في الإنفاق على الفوائد يمثل جزءاً كبيراً من الموازنة.

أما الدين الخارجي، فيتوقع أن يرتفع إلى 173 مليار دولار في 2026، وفقاً لنماذج Trading Economics، مع التركيز على خفض كلفة الخدمة من خلال صفقات بيع أصول وطروحات حكومية.

وهذه الأرقام تؤكد أن الدين ليس "عيباً"، بل أداة تمويلية ضرورية للمشروعات التحتية، كما أكد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في تصريحاته الأخيرة، مشيراً إلى أن الاستدانة كانت مدروسة لكنها تأثرت بصدمات عالمية.

التأثيرات الاقتصادية لسداد الديون الكامل

ولو افترضنا سداد مصر لكل ديونها، فإن ذلك يتطلب فائضاً مالياً هائلاً، ربما من خلال بيع أصول ضخمة أو زيادة الضرائب.

ووفقاً لتحليلات مستقلة، قد يؤدي هذا إلى تشدد مالي سريع، يعني تقييد الإنفاق العام وخفض الاستثمارات، مما يضغط على النمو الاقتصادي مؤقتاً.

وصندوق النقد الدولي يتوقع نمواً بنسبة 4.3% في 2026، لكن سداد الديون قد يقلل هذا الرقم إذا لم يتزامن مع تسارع الاستثمار الخاص.

من الجانب الإيجابي، يحرر سداد الديون موارد هائلة، حيث تستحوذ فوائد الدين حالياً على ثلثي الإنفاق في موازنة 2025/2026.

الدين العام

وهذا التحرير يمكن إعادة توجيهه نحو التعليم، الصحة، والصيانة الإنتاجية، مما يرفع النمو المحتمل ويحسن الإنتاجية، كما أشار معهد MEI في تقريره لأغسطس 2025.

ومع ذلك، خبرة الاقتصادات الحديثة تظهر أن الدين المدار جيداً – بنسبة أقل من 80% من الناتج – يبقى ضرورياً لسد الفجوات الموسمية وتمويل المشروعات الكبرى، لا أن يكون "صفراً" كغاية.

تأثير سداد الديون على سعر الصرف والتضخم في مصر

وفي سيناريو السداد الكامل، يدعم الفائض الأولي (الذي بلغ 3.5-3.6% في 2024/2025) الاحتياطي النقدي، مما يقوي الجنيه المصري ويحد من التقلبات.

وبالفعل، سجل الجنيه تحسناً بنسبة 6-6.5% في 2025 بفضل ارتفاع الاحتياطيات، وكل انخفاض 100 نقطة أساس في تكلفة الدين المحلي يوفر أكثر من 51 مليار جنيه، مع انخفاض أكبر في الديون الخارجية.

أما التضخم، فيتوقع أن يصل إلى 20.4% في 2026 وفق صندوق النقد الدولي، لكن السداد يسمح بتيسير نقدي تدريجي يخفض كلفة الاقتراض، مما يحفز الائتمان المنتج دون إعادة ضغوط على العملة.

ومع ذلك، الإفراط في التيسير قد يعيد التضخم، لذا يوصي الصندوق بإدارة حذرة.

وتحسن سعر الصرف في 2025 خفض تقييم الديون الدولية بأكثر من نصف تريليون جنيه، واستمراره يحسن مؤشرات الموازنة في 2026.

الفوائد والمخاطر على المواطنين

وقد يضغط السداد السريع على الإنفاق الاجتماعي، مما يتطلب تعزيز شبكات الأمان مثل برنامج "تكافل وكرامة".

ومع انحسار التضخم واستقرار العملة، تتحسن القوة الشرائية للأسر، وتقل كلفة الاقتراض على المشروعات الصغيرة.

وفي 2025، ساعد تراجع أسعار النفط في إنهاء ملف دعم الطاقة جزئياً، وقد يجلب 2026 انخفاضاً تدريجياً في أسعار المحروقات، مع تحول التضخم إلى رقم منخفض.

ومع ذلك، إذا أدى التشدد إلى تأجيل الاستهلاك، قد يؤثر سلباً على الاقتصاد، في حين أن المكاسب الرئيسية تكمن في إعادة توجيه الإنفاق نحو خدمات عامة أفضل، مما يعزز الرفاهية الاجتماعية على المدى الطويل.

دور الطروحات والصفقات

ولتحقيق السداد، تحتاج مصر إلى برنامج طروحات قوي، بالإضافة إلى مشروعات قوية، ففي 2025، حققت صفقة "علم الروم" مع قطر 3.5 مليار دولار، وتترقب مشاريع في رأس شقير ورأس جميلة.

وهذا يقلل مزاحمة الدولة ويضخ سيولة، مع تعزيز الاستهلاك الخاص بانخفاض التضخم.

وتوقعات BNP Paribas تشير إلى نمو 4% في 2025، مع تراجع الضغوط التضخمية، مما يدعم نمواً مستداماً إذا تحول الدين إلى أداة مكملة.

هل "الصفر الديني" هو الهدف الأمثل لمصر في 2026؟

ولن يكون الأنفع لمصر التخلص النهائي من الديون، فحتى الاقتصادات المتقدمة تستخدمها لإدارة الدورة الاقتصادية.

والمكسب الحقيقي يكمن في خفض النسبة إلى أقل من 80%، وتقليل كلفة الخدمة، لتحرير موارد نحو التنمية البشرية والإنتاجية.

ومع الالتزام بالإصلاحات يمكن لمصر تحقيق توازن يجمع بين الاستدامة والنمو، بعيداً عن أحلام "السداد الكامل" التي قد تكلف أكثر مما تعطي.