اختراق بينانس يكشف خريطة السيطرة على سوق العملات المشفرة.. من يملك قرار تجميد أموال المستثمرين؟
أعاد اختراق منصة «بينانس» وسرقة أصول تقدر بنحو 6.3 مليارات دولار فتح النقاش حول مدى أمان العملات المشفرة، والجهات التي تمتلك سلطة التحكم في أموال المستثمرين، خاصة مع تجاوز القيمة السوقية للأصول المشفرة 2.6 تريليون دولار خلال تعاملات 30 أكتوبر 2026.
وتكشف الواقعة أن امتلاك المستثمر للعملة الرقمية لا يعني بالضرورة تمتعه بحرية كاملة في استخدامها أو تحويلها، إذ تتوزع صلاحيات التحكم بين منصات التداول والشركات المصدرة لبعض العملات والجهات التنظيمية والقضائية، وفقًا لنوع العملة وطريقة الاحتفاظ بها.
اختراق بينانس يضع ثقة المستثمرين على المحك
تعرضت المحافظ الساخنة التابعة لمنصة «بينانس» لاختراق مساء الخميس، ما دفع الشركة إلى تعليق عمليات السحب مؤقتًا لإجراء مراجعات أمنية، مع استمرار الإيداعات والخدمات الأخرى غير المتأثرة، والتعهد بتعويض المستخدمين عن الأصول المسروقة من صندوق حماية العملاء وموارد الشركة.
وأعلنت المنصة أن تعاونها مع الجهات المعنية أسفر عن تجميد أصول بقيمة تقارب 3 مليارات دولار، في حين أظهرت بيانات نقلتها رويترز أن شركات إصدار العملات المستقرة ساهمت في تقييد حركة جزء من الأموال المرتبطة بالاختراق.
وتتضح أهمية الواقعة بالنظر إلى حجم المنصة، إذ بلغ عدد مستخدمي «بينانس» المسجلين 335 مليون مستخدم حول العالم، بينما وصلت الأصول التي تحتفظ بها إلى نحو 162.8 مليار دولار بنهاية عام 2025، وفقًا لتقريرها السنوي.
ولا يعني تعليق السحب بالضرورة فقدان العملاء لأموالهم أو تعرض المنصة للإفلاس، لكنه يفصل بين وجود الرصيد في الحساب والقدرة الفعلية على نقله إلى محفظة أخرى أو تحويله إلى أموال خارج المنصة.
المنصة ليست الطرف الوحيد الذي يتحكم في الأموال
تختلف سلطة التحكم في العملات المشفرة بحسب الجهة التي تحتفظ بها والجهة التي أصدرتها. فعندما يترك المستثمر أمواله داخل منصة تداول، يعتمد على أنظمتها في حماية الأصول وتنفيذ عمليات السحب واستمرار الخدمات.
أما نقل العملات إلى محفظة خاصة يديرها المستخدم، فيقلل الاعتماد على منصة التداول، لكنه لا يلغي جميع أشكال السيطرة الخارجية، خصوصًا في حالة العملات المستقرة التي تصدرها شركات مركزية.
وتوضح شركة «سيركل»، المصدرة لعملة «يو إس دي سي»، أنها تمتلك القدرة على حظر عناوين محددة ومنعها من إرسال العملة أو استقبالها، سواء لتنفيذ أوامر قانونية أو الاستجابة لطلبات حكومية عاجلة أو حماية سلامة شبكتها.
في المقابل، تتمتع عملة «بتكوين» بدرجة أكبر من الاستقلال عن الشركات المركزية، إذ لا توجد جهة مصدرة تستطيع تجميد وحداتها أو إلغاء معاملاتها المؤكدة، لكن الاحتفاظ بها داخل منصة تداول يظل خاضعًا لسياسات المنصة فيما يتعلق بالحسابات والسحب.
كيف ساهمت الشركات في تجميد الأصول المسروقة؟
أبرز اختراق «بينانس» الدور الذي يمكن أن تلعبه الشركات المصدرة للعملات المستقرة في الحد من حركة الأموال المسروقة، إذ نقلت وكالة رويترز أن شركة «تيثر» جمدت أصولًا مرتبطة بالواقعة بقيمة تقارب 1.57 مليار دولار، بينما جمدت «سيركل» أكثر من 800 مليون دولار.
وتساعد هذه الإجراءات على منع استخدام الأموال أو نقلها عبر العناوين المحظورة، لكنها لا تعني بالضرورة عودتها إلى أصحابها، إذ قد تظل الأصول موجودة في العنوان نفسه مع تعذر التصرف فيها، دون إلغاء التحويل الذي تم بالفعل.
وتشير بيانات شركة «بت كويري» المتخصصة في تحليل معاملات البلوك تشين إلى تحويل نحو 729 مليون دولار من عملة «تيثر» المسروقة إلى شبكتي إيثريوم وترون قبل تنفيذ التجميد، وهو ما زاد صعوبة ملاحقة هذه الأموال واستردادها.
وتعتمد فاعلية التجميد على سرعة تدخل الجهات المعنية، وطبيعة العملة، ومدى قدرة الشركة المصدرة على فرض القيود على الأصول المرتبطة بالاختراق.
حماية الأموال قد تعني تقييد حرية المستثمرين
رغم أهمية تجميد الأصول في مواجهة عمليات السرقة والاحتيال، فإن هذه الصلاحيات تطرح تحديًا يتعلق بحق المستثمر في التصرف بأمواله، إذ يمكن أن تؤدي إجراءات الاحتواء إلى تعطيل معاملات مستخدمين لم يشاركوا في الواقعة.
وظهر ذلك خلال اختراق شبكة «بي إن بي سمارت تشين» في أكتوبر 2022، عندما استغل مهاجم ثغرة لإنشاء وحدات من عملة «بي إن بي» بلغت قيمتها نحو 570 مليون دولار آنذاك، ما دفع القائمين على الشبكة إلى تعليقها لساعات بالتنسيق مع مشغليها للحد من الخسائر.
لكن تعليق الشبكة لم يقتصر أثره على المهاجم، بل امتد إلى المستخدمين الآخرين الذين تعذر عليهم تنفيذ معاملاتهم خلال فترة التوقف، رغم عدم تعرض أصولهم للفقدان.
وقد يؤدي تعذر الوصول إلى الأموال إلى مشكلات مالية إضافية، مثل التأخر في سداد الالتزامات أو الحاجة إلى توفير سيولة بديلة، حتى إذا ظلت قيمة الأصول مستقرة في السوق.
المحافظ الخاصة.. استقلال أكبر ومسؤولية أعلى
يمكن للمستثمر تقليل اعتماده على منصات التداول من خلال نقل أصوله إلى محفظة خاصة يديرها بنفسه، بما يتيح له تنفيذ التحويلات دون انتظار موافقة المنصة التي كان يحتفظ بأمواله لديها.
لكن هذا الخيار ينقل جانبًا كبيرًا من المسؤولية إلى المستخدم، الذي يصبح مطالبًا بحماية مفاتيح الوصول إلى محفظته والتأكد من صحة بيانات التحويلات، لأن فقدان وسائل الوصول أو ارتكاب أخطاء في إرسال الأموال قد يؤدي إلى خسائر يصعب تداركها.
كما أن استخدام المحفظة الخاصة لا يمنح جميع العملات المشفرة الدرجة نفسها من الاستقلال، فبعض العملات المستقرة يظل خاضعًا لسياسات الشركة المصدرة، حتى بعد خروجها من منصة التداول.
وبالتالي، لم يعد تقييم الاستثمار في العملات المشفرة مرتبطًا بتوقعات الأسعار فقط، بل أصبح يتطلب معرفة الجهة التي تحتفظ بالأصل، والطرف القادر على تجميده، وشروط استعادة حرية التصرف فيه، ومدى المسؤولية التي يتحملها المستثمر عند إدارة أمواله بنفسه.

