الأربعاء 02 سبتمبر 2026
رئيس التحرير
عمرو عامر
رئيس التحرير
عمرو عامر
اقتصاد مصر

مصر والصين.. شراكة تتوسع من الزراعة إلى التكنولوجيا والأمن الغذائي

الأربعاء 02/سبتمبر/2026 - 03:53 م
مصر والصين
مصر والصين

تتجه العلاقات المصرية الصينية خلال السنوات الأخيرة نحو مزيد من التعاون الاقتصادي والاستراتيجي، في ظل اهتمام متبادل بتوسيع مجالات الشراكة، خاصة في قطاعات التكنولوجيا والزراعة والأمن الغذائي، بما يدعم جهود التنمية ويعزز الاستفادة من الخبرات والإمكانات المتاحة لدى الجانبين.

وتستند العلاقات بين مصر والصين إلى جذور تاريخية عميقة تمتد لآلاف السنين، وأسهمت القيم والمبادئ المشتركة في بناء جسور من الثقة والاحترام المتبادل بين الشعبين، وهو ما انعكس على تطور العلاقات الثنائية ومنح الشراكة الاستراتيجية بين البلدين دفعة قوية خلال السنوات الماضية.

وتحظى العلاقات الاقتصادية المصرية الصينية بدعم سياسي من قيادتي البلدين، مع استمرار العمل على توسيع أطر التعاون في مجالات التنمية والسلام والتجارة والاستثمار ونقل التكنولوجيا.

تعاون مصري صيني لدعم الأمن الغذائي

ويشهد التعاون الزراعي بين مصر والصين طفرة ملحوظة، إذ أوضح مركز البحوث الزراعية أن الشراكة بين الجانبين تمثل خطوة استراتيجية لدعم جهود الدولة المصرية لتحقيق الأمن الغذائي المستدام، من خلال توظيف التقنيات الحديثة والزراعة الذكية ومواجهة تداعيات التغيرات المناخية.

ويشمل التعاون تبادل الخبرات البحثية وفتح الأسواق أمام المنتجات الزراعية، إلى جانب تنفيذ مشروعات مشتركة في مجالات الزراعة الذكية والابتكار وسلامة الغذاء وتحليل الملوثات، بما يسمح بالانتقال من مجرد الزيارات وتبادل الخبرات إلى مشروعات بحثية وتطبيقية مشتركة.

وتعمل وزارة الزراعة المصرية على تجديد خطة العمل التنفيذية للتعاون الزراعي المشترك، التي وقعت في الأصل عام 2023، بهدف الارتقاء بها إلى مستوى استراتيجي يخدم مصر والمنطقة العربية والقارة الإفريقية، بالتوازي مع توقيع مذكرات تفاهم علمية وبحثية تركز على تقنيات الزراعة الحديثة والأمن الغذائي وتحسين إدارة الموارد الطبيعية.

الزراعة الذكية ومواجهة التغيرات المناخية

ويأتي تطوير أصناف المحاصيل الاستراتيجية المقاومة للجفاف والملوحة في مقدمة مجالات التعاون البحثي بين البلدين، من خلال شراكات بين مركز البحوث الزراعية المصري وعدد من المعاهد والمؤسسات البحثية الصينية.

وتتضمن مجالات العمل تطوير أصناف من الأرز الهجين وفول الصويا والذرة قادرة على تحمل الظروف البيئية الصعبة، إلى جانب استخدام نظم المعلومات وتقنيات الزراعة الذكية في إدارة عمليات الري وقياس رطوبة التربة وترشيد استهلاك المياه، خاصة في مشروعات استصلاح الأراضي الصحراوية.

كما يمتد التعاون إلى سلامة الغذاء ومكافحة الملوثات، من خلال تبادل الخبرات في تقنيات الكشف عن متبقيات المبيدات والعناصر الثقيلة، وتطوير أساليب الفحص بما يدعم سلامة المنتجات الزراعية المتداولة بين البلدين والموجهة إلى الأسواق الخارجية.

دعم سلاسل الإمداد وتوطين مستلزمات الإنتاج

ولا يقتصر التعاون المصري الصيني على الجانب البحثي، إذ يشمل كذلك دعم البنية التحتية المرتبطة بالأمن الغذائي وسلاسل الإمداد، ومن بينها مشروعات تخزين الحبوب باستخدام تقنيات حديثة تستهدف تقليل الفاقد والحفاظ على الاحتياطي الاستراتيجي.

كما تجري مباحثات لتوطين صناعة الآلات والمعدات الزراعية والمبيدات عالية الجودة في مصر، بما يسهم في دعم التصنيع المحلي وخفض الاعتماد على الواردات، إلى جانب التعاون في مجالات الثروة الحيوانية والداجنة وإنتاج الأعلاف والتدريب على أساليب الإنتاج المستدام.

صادرات زراعية إلى السوق الصينية

وشهدت العلاقات التجارية بين البلدين خطوات لفتح السوق الصينية أمام المزيد من المنتجات الزراعية المصرية، بعد نجاح صادرات عدد من المنتجات، من بينها الرمان والبلح والفراولة المجمدة، مع استمرار الجهود لتذليل العقبات أمام دخول منتجات جديدة، وعلى رأسها المانجو.

كما شهد أغسطس 2026 توقيع شركات مصرية عقودًا تصديرية مع مشترين صينيين بقيمة تقارب 168 مليون دولار، شملت منتجات زراعية وغذائية، بما يعكس اتساع فرص التعاون التجاري بين البلدين.

واستفادت مصر كذلك من مبادرة الصين لمنح إعفاءات جمركية كاملة لـ53 دولة إفريقية، والتي بدأ تطبيقها في مايو 2026، بما يدعم فرص نفاذ المنتجات الزراعية المصرية إلى السوق الصينية.

اتفاقيات للتكنولوجيا وسلامة الغذاء

وشملت الشراكة المصرية الصينية توقيع عدد من البروتوكولات ومذكرات التفاهم في مجالات الزراعة والتكنولوجيا، من بينها اتفاقيات فنية مع الإدارة العامة للجمارك الصينية لاعتماد منظومة التكويد المصرية، بما يدعم إجراءات نفاذ الحاصلات الزراعية إلى السوق الصينية.

كما جرى توقيع مذكرة تفاهم لتسهيل إجراءات تصدير التمور المصرية نصف الجافة، إلى جانب بروتوكولات تعاون علمي تستهدف إنشاء مختبرات مشتركة لإنتاج تقاوي وهجن من الخضروات والمحاصيل الحقلية المقاومة للجفاف والملوحة.

وتتضمن أوجه التعاون كذلك تدريب الباحثين المصريين على استخدام الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية لتقييم مخاطر الآفات والتنبؤ بالتغيرات المناخية، فضلاً عن تبادل الخبرات في إدارة ومراقبة مبيدات الآفات الزراعية.

مؤسسات صينية تدعم التعاون مع مصر

وتشارك في هذه الشراكة مجموعة من المؤسسات الصينية الحكومية والبحثية والصناعية، من بينها المعهد الصيني لمراقبة وقاية النباتات والتحكم في مبيدات الآفات «ICAMA»، ووزارة الزراعة والشؤون الريفية الصينية، إلى جانب الأكاديمية الصينية للعلوم والأكاديمية الصينية للعلوم الزراعية.

كما يبرز دور عدد من المعاهد والمراكز البحثية في مجالات الزراعة والبيئة وسلامة الغذاء، فضلاً عن التعاون مع مؤسسات صينية متخصصة في التكنولوجيا الزراعية والاستشعار عن بعد وإدارة الموارد المائية.

وفي الجانب الصناعي، تشارك شركات صينية في مشروعات مرتبطة بالمعدات والآلات الزراعية وتخزين الحبوب، فيما تؤدي المنطقة الاقتصادية الصينية «تيدا» بمنطقة قناة السويس دورًا في جذب الاستثمارات الصينية المرتبطة بالتصنيع الغذائي وسلاسل الإمداد والتعبئة والتغليف.

شراكة تمتد إلى إفريقيا

ومن أبرز محاور التعاون إنشاء مكتب إقليمي للمركز الصيني الإفريقي المشترك للأبحاث «SAJOREC» في القاهرة، بالتعاون بين مركز بحوث الصحراء المصري والأكاديمية الصينية للعلوم، ليكون منصة للتعاون ونقل الخبرات والتكنولوجيا المرتبطة بالاستدامة الزراعية إلى دول القارة الإفريقية.

ومن المتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة توسعًا في التعاون بين البلدين في مجالات استصلاح الأراضي الصحراوية، والزراعة الذكية، وترشيد استخدام المياه، وتطوير المحاصيل المقاومة للإجهادات البيئية، إلى جانب تكثيف برامج تدريب الباحثين والمزارعين المصريين ونقل أحدث الخبرات والتقنيات الزراعية.

كما تشمل آفاق التعاون المستقبلية تطوير برامج التنبؤ الزراعي، والاستشعار عن بعد، وبحوث التربة والمياه، ومعالجة الملوثات، وتوطين صناعة المبيدات ومستلزمات الإنتاج والآلات الزراعية، فضلًا عن دعم التصنيع المرتبط بالأنشطة الزراعية وسلاسل الإمداد والتصدير.

وبذلك تتجه الشراكة المصرية الصينية إلى نموذج أكثر اتساعًا لا يقتصر على التبادل التجاري، وإنما يجمع بين الاستثمار ونقل التكنولوجيا والبحث العلمي والتصنيع والتصدير، مع تركيز متزايد على تحقيق الأمن الغذائي وتعزيز قدرات القطاع الزراعي في مصر.