الأحد 30 أغسطس 2026
رئيس التحرير
عمرو عامر
رئيس التحرير
عمرو عامر
تحليل

70 عامًا من العلاقات المصرية الصينية.. زيارة شي جين بينغ تفتح الطريق أمام استثمارات جديدة وشراكة اقتصادية أوسع

الأحد 30/أغسطس/2026 - 02:54 م
مصر والصين
مصر والصين

تكتسب زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر أهمية اقتصادية وسياسية كبيرة، ليس فقط لكونها الأولى له إلى القاهرة منذ نحو 10 سنوات، وإنما لتزامنها مع مرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، في وقت تشهد فيه الشراكة المصرية الصينية توسعًا لافتًا في مجالات التجارة والاستثمار والصناعة والطاقة والبنية التحتية. 

وتأتي الزيارة في مرحلة تسعى خلالها القاهرة إلى زيادة الصادرات وجذب المزيد من الاستثمارات، بينما تعزز بكين حضور شركاتها ومشروعاتها في السوق المصرية.

وتشير مؤشرات التجارة والاستثمار إلى أن الصين أصبحت واحدة من أهم الشركاء الاقتصاديين لمصر، إذ بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 11.04 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026، لتستحوذ الصين على نحو 15% من إجمالي تجارة مصر غير البترولية خلال تلك الفترة، التي بلغت 73.6 مليار دولار.

11 مليار دولار تجارة خلال 6 أشهر

وتصدرت الصين قائمة الدول المصدرة إلى مصر خلال النصف الأول من العام الجاري، بعدما بلغت الواردات المصرية منها نحو 10.438 مليار دولار، بزيادة بلغت 25.65% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

وفي المقابل، حققت الصادرات المصرية إلى السوق الصينية قفزة كبيرة، إذ ارتفعت بنسبة 111.5% خلال النصف الأول من 2026، لتصل إلى نحو 600 مليون دولار، مقابل نحو 284 مليون دولار خلال الفترة نفسها من 2025.

ورغم نمو الصادرات المصرية، لا تزال حركة التجارة تميل بصورة كبيرة لصالح الصين، حيث بلغ العجز التجاري بين البلدين نحو 9.84 مليار دولار خلال الأشهر الستة الأولى من 2026، مقابل نحو 8.02 مليار دولار قبل عام.

ويمثل العجز التجاري مع الصين وحدها نحو 44% من إجمالي عجز الميزان التجاري غير البترولي لمصر، الذي بلغ 22.583 مليار دولار خلال النصف الأول من العام الجاري، وهو ما يجعل زيادة الصادرات المصرية إلى السوق الصينية أحد الملفات الاقتصادية المهمة المطروحة على أجندة التعاون بين البلدين.

وكان حجم التجارة بين مصر والصين قد سجل نحو 20.8 مليار دولار خلال عام 2025 بالكامل، بنمو يقارب 20%، بما يعكس تنامي العلاقات التجارية بين البلدين خلال السنوات الأخيرة.

مصر تستهدف زيادة صادراتها للصين

وتتجه مصر إلى الاستفادة من العلاقات الاقتصادية المتنامية مع الصين لزيادة صادراتها إلى السوق الصينية، وسط توقعات بارتفاع قيمة الصادرات المصرية إلى نحو 1.5 مليار دولار بنهاية 2026، ثم إلى ما بين ملياري و2.5 مليار دولار خلال 2027، بحسب تصريحات أحمد منير عز الدين، رئيس لجنة العلاقات الاقتصادية مع الصين بجمعية رجال الأعمال المصريين.

وتعززت فرص نفاذ المنتجات المصرية إلى السوق الصينية بعد دخول اتفاقية إعفاء الصادرات المصرية من التعريفة الجمركية إلى الصين حيز التنفيذ اعتبارًا من مايو 2026، وتستمر حتى مايو 2027، وهو ما يوفر ميزة إضافية أمام الشركات المصرية الراغبة في زيادة صادراتها إلى السوق الصينية.

كما مددت مصر والصين في يونيو الماضي اتفاق مبادلة العملات لمدة 3 سنوات، بما يدعم حركة التجارة والاستثمارات بين البلدين، ويسهم في تقليل الاعتماد على الدولار في تسوية المعاملات التجارية والمالية.

10 مليارات دولار استثمارات صينية

ولا تقتصر الشراكة المصرية الصينية على التجارة، إذ تقدر الاستثمارات الصينية في مصر بنحو 10 مليارات دولار، مع استهداف ضخ استثمارات إضافية بقيمة 4 مليارات دولار خلال العام الجاري، بما يرفع إجمالي الاستثمارات الصينية المستهدفة إلى نحو 14 مليار دولار، وفق تصريحات مصطفى إبراهيم، نائب رئيس مجلس الأعمال المصري الصيني.

وتشهد السوق المصرية حضورًا متزايدًا للشركات الصينية، حيث بلغ عدد الشركات الصينية في مصر نحو 3971 شركة حتى نهاية يونيو 2026، وتمثل نحو 4.58% من إجمالي الشركات التي أسسها مستثمرون أجانب في مصر، والبالغ عددها نحو 86.7 ألف شركة.

وخلال النصف الأول من 2026 وحده، تأسست 357 شركة صينية جديدة في مصر، بزيادة 13.33% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، عندما بلغ عدد الشركات الجديدة 315 شركة.

ورغم ضخامة الاستثمارات الصينية المتراكمة، فإن صافي الاستثمار الصيني المباشر في مصر خلال العام الماضي بلغ 226.5 مليون دولار، بما يمثل نحو 1.5% من صافي الاستثمار الأجنبي المباشر إلى مصر ككل.

كما بلغت التدفقات الرأسمالية الصينية إلى مصر خلال النصف الأول من 2026 نحو 24.8 مليون دولار، مقابل 29.75 مليون دولار خلال الفترة نفسها من 2025، بانخفاض 16.5%.

واحتلت الصين المرتبة الثالثة بين الدول الأجنبية من حيث التدفقات الرأسمالية إلى مصر خلال النصف الأول من العام الجاري، بعد الإمارات وليبيا، ومتقدمة على السعودية وألمانيا.

قناة السويس بوابة الاستثمارات الصينية

وتتركز نسبة مهمة من الاستثمارات الصينية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، خاصة داخل منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري المصرية الصينية «تيدا» في العين السخنة، التي أصبحت واحدة من أبرز نقاط تجمع الشركات والاستثمارات الصينية في مصر.

وتتنوع الاستثمارات الصينية في مصر بين الصناعات التحويلية والطاقة المتجددة ومكونات السيارات، إلى جانب عدد من المشروعات الكبرى التي يجري تنفيذها أو بحثها خلال العام الجاري.

ومن أبرز المشروعات المطروحة مجمع لإنتاج الألومنيوم في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس باستثمارات مخططة تبلغ نحو ملياري دولار.

كما تبحث شركة صينية إنشاء مدينة صناعات نسيجية متكاملة في بورسعيد باستثمارات تتراوح بين 1.5 وملياري دولار، مع توقعات بأن يوفر المشروع ما يصل إلى 140 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة.

وفي قطاع الإطارات، تبحث الشركة الصينية الوطنية للإطارات والمطاط إنشاء مصنع في العامرية بالإسكندرية باستثمارات تبلغ نحو 550 مليون دولار، وبطاقة إنتاجية تصل إلى 1.5 مليون إطار سنويًا، مع توفير نحو 1600 فرصة عمل.

وفي مجال النقل، وافقت مصر على قرض ميسر بقيمة 200 مليون دولار من بنك التصدير والاستيراد الصيني لتمويل المرحلة الثالثة من مشروع سكة حديد مدينة العاشر من رمضان، على أن يتم سداد القرض باليوان الصيني.

70 عامًا من العلاقات بين القاهرة وبكين

وتأتي زيارة الرئيس الصيني إلى مصر في عام يشهد مرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، بعدما كانت مصر أول دولة عربية وإفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية عام 1956.

وتطورت العلاقات خلال العقود الماضية وصولًا إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، التي أقرها الرئيسان المصري والصيني في ديسمبر 2014، وتستهدف تعزيز التعاون في مجالات الاقتصاد والمجتمع والتكنولوجيا والسياحة.

كما ترتبط مصر والصين بشراكة في إطار مبادرة «الحزام والطريق»، مستفيدة من الموقع الاستراتيجي لقناة السويس والمنطقة الاقتصادية التابعة لها، وهو ما يمنح التعاون الاقتصادي بين البلدين أبعادًا تتجاوز التجارة والاستثمار التقليديين.

وتفتح زيارة شي جين بينغ المرتقبة الباب أمام بحث ملفات اقتصادية واستراتيجية جديدة، وتعزيز التعاون بين مصر والصين، إلى جانب مناقشة عدد من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.

التعاون المالي وتقليل الاعتماد على الدولار

ويحظى التعاون المالي بين البلدين بأهمية متزايدة، خاصة مع تمديد اتفاق مبادلة العملات لمدة 3 سنوات، ودخول اتفاقية تبادل العملات المحلية بين مصر والصين حيز التنفيذ.

ويستهدف هذا المسار تسهيل حركة التجارة والاستثمارات بين البلدين، وتقليل الاعتماد على الدولار في تسوية جانب من المعاملات، بما يوفر آلية إضافية لدعم العلاقات الاقتصادية والتجارية.

ويأتي ذلك بالتزامن مع ارتفاع حجم الشركات الصينية العاملة في مصر وتوسع مشروعاتها في قطاعات الإنتاج، بما يعزز توجه البلدين نحو زيادة الاعتماد على الاستثمارات والمشروعات المشتركة بدلًا من اقتصار العلاقات الاقتصادية على حركة الاستيراد والتصدير.

السياحة والطيران مسار آخر للشراكة

وامتدت الشراكة المصرية الصينية كذلك إلى قطاع السياحة، حيث تشهد حركة الطيران المباشر بين البلدين توسعًا مستمرًا، مع وصول عدد شركات الطيران الصينية التي تخدم السوق المصرية إلى 5 شركات، بواقع 4 إلى 5 رحلات أسبوعيًا لكل شركة.

ويصل عدد السائحين الصينيين الوافدين إلى مصر حاليًا إلى ما بين 400 و500 ألف سائح سنويًا، وسط توقعات بزيادة العدد بنحو 20%، بما يعكس وجود فرص كبيرة لتعزيز التعاون السياحي بين البلدين خلال المرحلة المقبلة.

كما تستعد مصر لاستقبال وفد من هيئة التجارة الدولية الصينية في أكتوبر المقبل، يضم أكثر من 40 شركة، بينما يجري الإعداد لبعثة مصرية إلى الصين مطلع 2027 تضم 50 شركة على الأقل، بهدف الترويج للصادرات المصرية والفرص الاستثمارية المتاحة في السوق المصرية.

زيارة تحمل فرصًا وتحديات

وتحمل زيارة الرئيس الصيني إلى مصر فرصة لتعميق الشراكة الاقتصادية بين البلدين، خصوصًا في ظل اتساع الاستثمارات الصينية وارتفاع حجم التجارة، لكنها تأتي أيضًا في وقت تسعى فيه القاهرة إلى معالجة اختلال الميزان التجاري مع بكين من خلال زيادة الصادرات المصرية وجذب استثمارات صينية إنتاجية تستهدف التصنيع والتصدير.

ومع امتلاك مصر موقعًا استراتيجيًا مهمًا وقاعدة صناعية وسوقًا كبيرة، إلى جانب المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، تبدو فرص التعاون مع الصين واسعة في قطاعات الصناعة والطاقة والنقل والبنية التحتية، بينما يمثل توسيع نفاذ المنتجات المصرية إلى السوق الصينية أحد أبرز الملفات التي يمكن أن تمنح الشراكة الاقتصادية بين القاهرة وبكين دفعة جديدة خلال الفترة المقبلة.