الحرب وصلت لأحمر الشفاه.. كيف ضرب النفط صناعة التجميل العالمية؟
لم تعد تداعيات الحروب والتوترات الجيوسياسية تقتصر على أسواق الطاقة أو التجارة العالمية فقط، بل امتدت آثارها إلى واحدة من أكثر الصناعات استقراراً وربحية في العالم، وهي صناعة مستحضرات التجميل والعناية الشخصية. فمع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار النفط، بدأت شركات الجمال العالمية تواجه موجة جديدة من الضغوط المرتبطة بارتفاع تكاليف المواد الخام والشحن والتغليف، ما انعكس تدريجياً على أسعار منتجات التجميل حول العالم.
وتكشف التطورات الأخيرة حجم الترابط بين النفط وصناعة الجمال، إذ تعتمد مستحضرات التجميل بصورة كبيرة على مشتقات البتروكيماويات في تصنيع المكونات الأساسية والعبوات البلاستيكية، إلى جانب اعتماد القطاع على شبكات الشحن العالمية التي تأثرت بدورها باضطرابات الحرب وارتفاع تكاليف النقل والطاقة.
النفط يدخل في صناعة الجمال
رغم أن كثيرين يربطون النفط بالوقود والطاقة فقط، فإن مشتقاته تدخل بشكل مباشر في تصنيع عدد كبير من منتجات التجميل اليومية، بداية من أحمر الشفاه وكريمات الأساس وحتى منتجات العناية بالبشرة والشعر.
وتحتوي مستحضرات التجميل على مكونات مشتقة من البترول مثل الزيوت المعدنية والبارافين والشموع الصناعية والمواد الحافظة، وهي عناصر تمنح المنتجات قواماً ثابتاً ونعومة وقدرة على الاحتفاظ بالرطوبة لفترات طويلة.
كما تعتمد صناعة العبوات بشكل أساسي على البلاستيك المصنع من المشتقات النفطية، ما يجعل أي ارتفاع في أسعار النفط ينعكس سريعاً على تكاليف الإنتاج والتغليف معاً.

ارتفاع التكاليف يضغط على الشركات
مع تصاعد الحرب وارتفاع أسعار الخام عالمياً، واجهت شركات التجميل الكبرى زيادات ملحوظة في تكاليف التصنيع والخدمات اللوجستية، خاصة مع اضطراب مسارات الشحن العالمية وارتفاع أسعار المواد الكيميائية والبلاستيك.
وأعلنت شركات عالمية مثل Unilever وL'Oréal نيتها تمرير جزء من هذه الزيادات إلى المستهلكين عبر رفع أسعار منتجات التجميل والعناية الشخصية خلال الفترة المقبلة.
كما لجأت بعض الشركات إلى تعديل سلاسل الإمداد أو استخدام الشحن الجوي لتجنب تأخيرات النقل، الأمر الذي زاد الأعباء التشغيلية بصورة أكبر.
وتشير التقديرات إلى أن أسعار المواد البلاستيكية المستخدمة في التغليف ارتفعت بشكل حاد خلال الأشهر الماضية، مدفوعة بارتفاع أسعار النفط ونقص بعض المواد البتروكيماوية المرتبطة بالصناعات التحويلية.
“تأثير أحمر الشفاه” يحمي القطاع
ورغم الضغوط الاقتصادية، أظهرت صناعة التجميل قدرة ملحوظة على الصمود مقارنة بقطاعات السلع الفاخرة الأخرى، مستفيدة مما يعرف اقتصادياً بـ”تأثير أحمر الشفاه”.
وتقوم هذه النظرية على أن المستهلكين خلال الأزمات الاقتصادية والحروب يميلون إلى تقليص الإنفاق على السلع مرتفعة الثمن، مع الاستمرار في شراء “الكماليات الصغيرة” مثل مستحضرات التجميل والعطور ومنتجات العناية الشخصية، باعتبارها وسيلة تمنح شعوراً بالراحة وتحسين الحالة النفسية.
وساعد هذا الاتجاه شركات التجميل الكبرى على الحفاظ على مستويات مبيعات مستقرة نسبياً، رغم تراجع الطلب في بعض الأسواق وتأثر حركة السفر والتجزئة بالمطارات.
وسجلت L'Oréal نمواً قوياً في المبيعات خلال الربع الأول من العام، مدفوعاً بزيادة الطلب على منتجات العناية بالشعر والعطور في الولايات المتحدة وأوروبا والصين.

في المقابل، تأثرت شركات تعتمد بشكل أكبر على مبيعات الأسواق الحرة والسفر، مثل Coty وEstée Lauder، نتيجة اضطرابات الطيران وتراجع حركة التسوق في المطارات.
التحول نحو البدائل الخضراء
دفعت الأزمة الحالية عدداً متزايداً من شركات التجميل إلى تسريع خطط التحول نحو بدائل أكثر استدامة، بهدف تقليل الاعتماد على النفط والمشتقات البلاستيكية.
وتعمل شركات عالمية على تطوير مكونات نباتية وعبوات صديقة للبيئة، في ظل تصاعد الضغوط البيئية وارتفاع تكلفة المواد البتروكيماوية.
وأعلنت شركة Shiseido دراسة استخدام بدائل نباتية لبعض المواد الخام المستخدمة في مستحضرات التجميل، إلى جانب توسيع قاعدة الموردين لتقليل مخاطر اضطراب الإمدادات.
كما شهدت العبوات الورقية القابلة لإعادة التدوير طلباً متزايداً، خاصة مع ارتفاع أسعار البلاستيك إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات.
صناعة الجمال أمام تحديات جديدة
تكشف الأزمة الحالية أن صناعة التجميل لم تعد بعيدة عن تأثيرات الحروب والصدمات الاقتصادية العالمية، بل أصبحت جزءاً من منظومة صناعية وتجارية شديدة الحساسية تجاه تحركات الطاقة وسلاسل التوريد.
وبين ارتفاع تكاليف الإنتاج والضغوط البيئية وتغير سلوك المستهلكين، تبدو شركات التجميل العالمية أمام مرحلة جديدة تتطلب إعادة صياغة استراتيجياتها الإنتاجية والتسويقية للحفاظ على النمو والربحية في عالم أكثر اضطراباً.








