الولايات المتحدة تبني أكبر مخزون نحاس منذ عقود وسط مخاوف الرسوم الجمركية
بنت الولايات المتحدة بهدوء أكبر مخزون لها من النحاس منذ عقود، في تحرك أعاد تشكيل تدفقات المعدن الأحمر عالميًا وأثار تساؤلات حول دوافعه الحقيقية، وما إذا كان الأمر يتجاوز الحسابات التجارية إلى اعتبارات استراتيجية أوسع تتعلق بالأمن الصناعي وسلاسل الإمداد.
خلال عام 2025، استوردت الولايات المتحدة نحو 1.7 مليون طن من النحاس، أي ما يقرب من ضعف الكميات المستوردة في العام السابق، وفق بيانات رسمية. هذا التدفق القوي انعكس مباشرة على المخزونات المعتمدة في بورصة “كومكس” التابعة لـ بورصة شيكاغو ميركنتايل إكستشينج، حيث ارتفعت الكميات المخزنة إلى 534 ألف طن حتى أوائل فبراير، بزيادة تفوق خمسة أضعاف على أساس سنوي، وهو أعلى مستوى مسجل منذ بدء البيانات عام 1989.
السبب المباشر لهذا التكديس يعود إلى المخاوف من برنامج الرسوم الجمركية الذي أعاد الرئيس دونالد ترمب التلويح به عقب عودته إلى البيت الأبيض. فقد دفعت التوقعات بفرض رسوم على واردات النحاس المكرر إلى ارتفاع الأسعار في الولايات المتحدة فوق نظيرتها في بورصة لندن للمعادن، ما خلق فجوة سعرية مربحة شجعت شركات تجارة كبرى مثل ترافيغورا و**ميركوريا إنرجي** على تسريع الشحنات إلى السوق الأميركية.
ورغم أن الإدارة الأميركية استثنت لاحقًا المعادن المكررة من بعض الرسوم وفرضت بدلًا من ذلك تعريفات بنسبة 50% على المنتجات النصف مصنّعة مثل الأنابيب والأسلاك، فإن الغموض بشأن السياسة المستقبلية أبقى الحافز قائمًا لبناء المخزون، خصوصًا مع تصريحات رسمية بإمكانية إعادة النظر في القرارات خلال النصف الثاني من العام.
وإذا أُضيفت المخزونات غير المسجلة في البورصات، فإن إجمالي مخزون النحاس في الولايات المتحدة يُقدّر بنحو مليون طن، وهو ما يعادل تقريبًا إنتاج عام كامل من منجم إسكنديدا في تشيلي، أكبر منجم نحاس في العالم. هذه الكميات الضخمة أثرت في المعروض العالمي، إذ أدت إلى تقليص الإمدادات المتاحة لبقية الأسواق، في وقت تعاني فيه بعض المناجم من اضطرابات تشغيلية.
وقد انعكس ذلك على الأسعار العالمية، حيث قفز النحاس في يناير إلى مستويات قياسية تجاوزت 14500 دولار للطن قبل أن يتراجع مع موجة تخارج واسعة من المعادن الأساسية. وحذر محللون من أن الأسعار باتت مدفوعة بالمضاربات أكثر من الأساسيات، في ظل ضعف الطلب الصناعي، خاصة من الصين، أكبر مستهلك عالمي للنحاس.
لكن السؤال الأهم يتعلق بمصير هذا المخزون الضخم. في البداية، خشي متعاملون من أن يؤدي أي تراجع في الرسوم إلى إغراق السوق العالمية بالنحاس الأميركي، ما قد يضغط على الأسعار. غير أن الرؤية بدأت تتغير، مع الحديث عن توجه حكومي أوسع لتأسيس مخزون استراتيجي من المعادن الحيوية ضمن مشروع يُعرف باسم “مشروع الخزنة”، بقيمة قد تصل إلى 12 مليار دولار، في إطار شراكة بين القطاعين العام والخاص.
ويُنظر إلى النحاس كأحد المعادن الستين التي تعتبرها الحكومة الأميركية حيوية وعرضة لمخاطر انقطاع الإمدادات، خصوصًا في ظل الاعتماد الكبير على الواردات والتوترات الجيوسياسية المتصاعدة. وتشير تقديرات إلى أن المخزون الحالي يكفي لتغطية نحو سبعة أشهر من الطلب المحلي، مقارنة بعشرة أشهر خلال ذروة الحرب الباردة في ستينيات القرن الماضي.
أما من ناحية البنية التحتية، فقد تمت إضافة نحو 590 ألف طن من السعة التخزينية الجديدة العام الماضي، ليرتفع الإجمالي إلى أكثر من مليون طن موزعة على عدة ولايات أميركية، مع استمرار طلبات اعتماد مواقع جديدة للتخزين.
في المحصلة، لا يبدو تراكم النحاس في الولايات المتحدة مجرد رهان على فروق الأسعار أو تحوطًا ضد رسوم محتملة، بل قد يعكس تحولًا أعمق في التفكير الاستراتيجي، حيث تسعى واشنطن إلى تحصين قاعدتها الصناعية في مواجهة تقلبات السوق العالمية، وضمان توفر إمدادات كافية من معدن أساسي لقطاعات الطاقة المتجددة والمركبات الكهربائية ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.
