الصين ترفع احتياطيات الذهب.. وتواصل الشراء للشهر الخامس عشر
واصلت الصين تعزيز احتياطياتها من الذهب خلال شهر يناير 2026، في خطوة تعكس استراتيجية نقدية واضحة تستهدف دعم الاستقرار المالي وتنويع الأصول الاحتياطية في ظل بيئة اقتصادية عالمية تتسم بالتقلب وعدم اليقين. وأظهرت البيانات الرسمية أن حيازة بنك الشعب الصيني من الذهب ارتفعت إلى 74.19 مليون أونصة بنهاية يناير، مقارنة بنحو 72.8 مليون أونصة في أغسطس 2024، بما يؤكد استمرار وتيرة الشراء للشهر الخامس عشر على التوالي.
وسجلت مشتريات البنك خلال يناير وحده نحو 40 ألف أونصة، ليرتفع صافي المشتريات منذ نهاية أكتوبر 2024 إلى قرابة 1.39 مليون أونصة، في مؤشر واضح على تبني بكين سياسة تراكمية طويلة الأجل تجاه المعدن الأصفر. ويعكس هذا المسار التراكمي رغبة الصين في تعزيز مكانة الذهب ضمن مزيج احتياطياتها الدولية، في وقت تشهد فيه الأسواق العالمية تحولات متسارعة على صعيد أسعار الفائدة وحركة العملات الرئيسية.
ويأتي هذا التوجه في ظل استمرار قوة الدولار الأمريكي عقب صدور بيانات اقتصادية داعمة، وهو ما أدى إلى تقليص توقعات خفض أسعار الفائدة في الأجل القريب. ورغم أن قوة الدولار عادة ما تمثل ضغطًا على أسعار الذهب، فإن استمرار الصين في الشراء يؤكد أن قراراتها لا ترتبط فقط بالتحركات قصيرة الأجل للأسعار، بل تنطلق من اعتبارات استراتيجية أوسع تتعلق بالأمن المالي وإدارة المخاطر.
ويُنظر إلى الذهب باعتباره أحد أهم أدوات التحوط في مواجهة التضخم وتقلبات الأسواق، كما يمثل عنصرًا رئيسيًا في دعم الثقة بالعملات الوطنية، خاصة في الاقتصادات الكبرى. ومن هذا المنطلق، تسعى الصين إلى رفع نسبة الذهب ضمن احتياطياتها، بما يقلل من الاعتماد النسبي على الأصول المقومة بالدولار، ويعزز قدرتها على مواجهة أي صدمات محتملة في النظام المالي العالمي.
ويرى محللون أن استمرار عمليات الشراء يعكس إدراكًا صينيًا متزايدًا بأهمية تنويع الاحتياطيات، لا سيما في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية، وتنامي الحديث عن إعادة تشكيل النظام النقدي الدولي. كما أن مشتريات البنوك المركزية أصبحت في السنوات الأخيرة أحد المحركات الأساسية للطلب العالمي على الذهب، وهو ما ساهم في دعم الأسعار رغم فترات التقلب الحاد.
وعلى صعيد الأسواق، يراقب المستثمرون عن كثب تحركات الصين باعتبارها من أكبر حائزي الذهب عالميًا، حيث تؤثر قراراتها بشكل مباشر في اتجاهات الطلب الرسمي. ويؤدي استمرار الشراء إلى تعزيز الاستقرار النسبي في السوق، خاصة إذا تزامن مع طلب استثماري قوي من الصناديق والمؤسسات المالية.
ويعكس ارتفاع الاحتياطيات أيضًا رغبة بكين في بناء مظلة أمان نقدية تحمي اقتصادها من تقلبات أسواق السندات والعملات، خصوصًا في فترات التشديد النقدي العالمي. فالذهب، على الرغم من كونه أصلًا لا يدر عائدًا مباشرًا، يظل مخزنًا للقيمة وملاذًا آمنًا في أوقات الأزمات، وهو ما يفسر إقبال البنوك المركزية عليه خلال السنوات الأخيرة.
وتشير التوقعات إلى أن وتيرة الشراء قد تستمر خلال الأشهر المقبلة، وإن كانت مرهونة بتطورات الاقتصاد العالمي وحركة أسعار الفائدة الأمريكية وأداء الدولار. كما أن أي تغيرات جوهرية في المشهد الجيوسياسي قد تدفع إلى تسريع عمليات التراكم، في إطار سعي الصين لتعزيز مرونتها المالية.
وبشكل عام، تعكس البيانات الأخيرة نهجًا صينيًا ثابتًا يقوم على بناء احتياطيات قوية ومتنوعة، مع منح الذهب دورًا محوريًا في هذه الاستراتيجية. ويؤكد استمرار الزيادة للشهر الخامس عشر على التوالي أن بكين تنظر إلى المعدن الأصفر كأحد أعمدة الاستقرار النقدي، وليس مجرد أداة استثمار قصيرة الأجل.
