مصر تطوي صفحة "وزارة الشركات".. رحلة البحث عن مستقبل جديد لأصول الدولة بعد إلغاء "قطاع الأعمال العام"
في خطوة وصفت بأنها إعادة رسم لخريطة الاقتصاد الحكومي، وافق مجلس النواب المصري على إلغاء وزارة قطاع الأعمال العام، وهو القرار الذي لم يكن مجرد تعديل في الأسماء، بل كان بمثابة إعلان نهاية حقبة "الوزارة التاجرة" التي بدأت قبل أكثر من عشر سنوات.
هذا الكيان الذي ظل مستقلاً عن وزارة الاستثمار، كان يحمل فوق عاتقه مسؤولية إدارة إمبراطورية اقتصادية ضخمة تضم 146 شركة، تتوزع في شرايين الاقتصاد المصري من صناعة الأدوية والكيماويات والمعادن، وصولاً إلى الغزل والنسيج والتشييد والفنادق الكبرى.
وتكشف الأرقام الرسمية أن هذه المحفظة تمثل وحدها نحو 26% من إجمالي الشركات التي تملكها الدولة، وهي محفظة لا يستهان بقوتها؛ إذ تشير البيانات إلى أن 75% من هذه الشركات تحقق أرباحاً فعلية، بينما تقاوم النسبة المتبقية شبح الخسائر.
ويرى الخبراء الذين أيدوا هذه الخطوة، وعلى رأسهم مدحت نافع الذي قاد سابقاً إحدى كبرى شركات الوزارة، أن الوزارة في شكلها الحالي لم يعد لها مبرر عملي يخدم الاقتصاد. فالفكرة هنا هي أن كل شركة تمتلك بالفعل مجالس إدارات وجمعيات عمومية، ووجود "وزارة" فوقها يخلق طبقة من البيروقراطية تكلف خزينة الدولة أموالاً طائلة دون مسوغ واضح.
والرهان الآن يتجه نحو مرحلة انتقالية مدتها عام واحد، تخضع فيها هذه الشركات لإشراف نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، بهدف تحويلها للعمل بموجب قانون الشركات الموحد.
وهذا التحول القانوني يعني باختصار أن تدار هذه الكيانات كشركات اقتصادية حقيقية تمتلك المرونة الكافية لإبرام شراكات مع القطاع الخاص أو زيادة رؤوس أموالها بعيداً عن نظام التعيينات الحكومية والقرارات الرسمية التي كانت تكبل حركتها في السابق.
وعلى الجانب الآخر من المشهد، تبرز مخاوف من أن يؤدي هذا الإلغاء إلى تشتت ملكية الدولة. فالاقتصادي والبرلماني محمد فؤاد يحذر من أن توزيع هذه الشركات على وزارات مختلفة بحسب تخصصها قد يضعف الرقابة المركزية عليها.
فالخوف يكمن في أن تنظر كل وزارة لشركاتها بمنظور ضيق ومصالح قصيرة الأجل، مما يضعف القدرة الشاملة للدولة على تقييم أداء هذه الأصول الضخمة ومعرفة حجم المخاطر التي قد تواجهها.
وهذا التوزيع "المجزأ" قد يجعل من الصعب وضع استراتيجية موحدة للتخارج أو الشراكة، وهو ما قد يؤثر في النهاية على كفاءة إدارة رأس المال العام الذي يمثل ملكية لكل المصريين.
وبينما يتساءل الشارع عن هوية "المدير الجديد" لهذه الشركات، تظهر في الأفق "وحدة الشركات المملوكة للدولة" التي تأسست في أواخر عام 2025 كلاعب أساسي جديد في المعادلة.
وهذه الوحدة تسابق الزمن الآن لحصر وتقييم كافة أصول الشركات خلال خمسة أشهر فقط، لتحديد الحجم الحقيقي للمحفظة الحكومية. وفي ظل غموض يحيط بدور "صندوق مصر السيادي" الذي تراجع نشاطه مؤخراً في صفقات الاستثمار، تظل هناك مقترحات جادة تُبحث خلف الأبواب المغلقة لنقل تبعية هذه الشركات تدريجياً إلى الصندوق والوزارات المعنية.
وهي مرحلة من البحث عن نموذج إداري أكثر رشاقة، تهدف فيه الدولة إلى أن تكون منظماً ومراقباً للسوق، بدلاً من أن تكون منافساً مباشراً، في محاولة لتعظيم أرباح شركاتها وضمان استدامتها للأجيال القادمة.


