الأسهم الآسيوية تلتقط أنفاسها بعد خسائر حادة بقيادة قطاع التكنولوجيا
التقطت الأسهم الآسيوية أنفاسها خلال تعاملات اليوم الجمعة، بعد موجة خسائر حادة قادها قطاع التكنولوجيا، في ظل محاولات المستثمرين تقييم حجم الضغوط التي تعرضت لها الأسواق العالمية خلال الأيام الماضية، وسط تصاعد القلق من التقييمات المرتفعة، والتقلبات المتزايدة المرتبطة بإنفاق الشركات الكبرى على تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وعلى الرغم من بقاء المعنويات حذرة، نجحت الأسهم الآسيوية، إلى جانب عقود مؤشرات الأسهم الأمريكية الآجلة، في تقليص الجزء الأكبر من خسائرها المبكرة، ما يشير إلى انحسار مؤقت لضغوط البيع، وإن ظل الحذر سيد الموقف مع استمرار الضبابية بشأن المسار القريب للأسواق.
تعافٍ نسبي بعد جلسات مضطربة
وشهدت الأسواق حالة من التماسك النسبي بعد بداية متقلبة، إذ ارتدت الفضة بقوة مسجلة ارتفاعًا بنحو 2.5%، بعد أن كانت قد هوت بنسبة 9.6% في وقت سابق من التداولات، وتكبدت خسائر حادة بلغت 20% في الجلسة السابقة، في واحدة من أعنف تحركات المعدن النفيس منذ عقود.
وسجلت عملة «بتكوين» بدورها تحركًا مشابهًا، إذ تعافت جزئيًا بعد أن لامست مستوى 60 ألف دولار، وهو مستوى يقل عن نصف ذروتها المسجلة في أكتوبر الماضي، في ظل استمرار التقلبات الحادة التي تضرب سوق العملات المشفرة.
ويعكس هذا الارتداد محاولة الأسواق استعادة التوازن بعد موجة بيع عشوائية شملت الأسهم والعملات المشفرة والمعادن، مدفوعة بتراجع شهية المخاطرة عالميًا.
ضغوط وول ستريت تلقي بظلالها على آسيا
وجاء التماسك الآسيوي عقب جلسة قاسية في وول ستريت، حيث تعرضت أسهم التكنولوجيا الأمريكية لضغوط قوية، أبرزها هبوط سهم «أمازون دوت كوم» بنسبة 11% في تداولات ما بعد الإغلاق، بعد إعلان الشركة عزمها إنفاق نحو 200 مليار دولار على الذكاء الاصطناعي خلال العام الجاري.
وأثار هذا الإعلان مخاوف المستثمرين من أن الرهانات الضخمة على الذكاء الاصطناعي قد لا تحقق عوائد سريعة أو مضمونة، خاصة في ظل ارتفاع التكاليف الرأسمالية وتباطؤ النمو الاقتصادي العالمي.
وقال نيك تويديل، كبير محللي الأسواق في شركة «إيه تي غلوبال ماركتس»، إن التقلبات الحادة عبر مختلف فئات الأصول لا تزال تضغط بقوة على معنويات المستثمرين، مضيفًا أن أي ارتداد في الأسواق قد يواجه موجات بيع جديدة في ظل ضعف الثقة الحالي.
قلق تراكمي لا صدمة واحدة
ويرى محللون أن ما تشهده الأسواق حاليًا لا يعود إلى صدمة مفاجئة واحدة، كما حدث في أزمات سابقة، بل إلى تراكم سلسلة من الأخبار السلبية، التي عززت القلق بشأن ارتفاع التقييمات إلى مستويات غير مستدامة، لا سيما في أسهم التكنولوجيا.
وتجلّى هذا القلق في أداء المؤشرات الأمريكية، إذ سجل مؤشر «إس آند بي 500» ثالث خسارة يومية متتالية، بينما تكبد مؤشر «ناسداك 100» أكبر تراجع له منذ أبريل الماضي، في ظل ضغوط واسعة على أسهم البرمجيات وأشباه الموصلات.
الذكاء الاصطناعي تحت المجهر
ولا يزال الذكاء الاصطناعي محور الاهتمام الرئيسي في الأسواق، مع توقعات بأن تبلغ النفقات الرأسمالية لأكبر أربع شركات تكنولوجيا أمريكية نحو 650 مليار دولار في عام 2026، موجهة إلى بناء مراكز بيانات ضخمة وتجهيزها بالرقائق المتقدمة والبنية التحتية للطاقة.
وأثارت هذه الأرقام تساؤلات حول قدرة الشركات على تحقيق عوائد كافية تبرر هذه الاستثمارات الهائلة، خاصة في ظل بيئة أسعار فائدة مرتفعة نسبيًا، وضغوط على هوامش الربحية.
وقال راجيف دي ميلو، مدير المحافظ الكلية العالمية في شركة «غاما لإدارة الأصول»، إن تصحيح أسهم التكنولوجيا يعيد التقييمات إلى مستويات أكثر واقعية، تعكس علاوة مخاطر صحية، مشيرًا إلى أن السوق قد يشهد مزيدًا من التراجع قبل أن يستقر بشكل أكثر استدامة.
تحركات الأسواق والسندات
وعلى صعيد الأداء الإقليمي، تراجع مؤشر «إم إس سي آي» لأسهم آسيا بنسبة 0.2% بعد أن كان قد هبط بأكثر من 1% في وقت سابق من الجلسة، فيما انخفضت عقود «ناسداك 100» الآجلة بنسبة 0.5%، مقلصة جزءًا كبيرًا من خسائرها.
في المقابل، اتجه المستثمرون نحو سندات الخزانة الأمريكية كملاذ نسبي، ما دفع عائد السندات لأجل عامين إلى أدنى مستوى له في نحو شهر، بينما استقر عائد السندات القياسية لأجل 10 سنوات قرب 4.18%.
أما في سوق المعادن النفيسة، فقد واصل الذهب تحركاته المتقلبة، مرتفعًا بنحو 0.8% بعد تراجعات سابقة، في ظل نقص السيولة وتذبذب شهية المستثمرين.
هل هو تماسك مؤقت أم بداية استقرار؟
ورغم الارتداد الحالي، لا يزال كثير من المحللين يرون أن هذا التماسك قد يكون مؤقتًا، في ظل استمرار الضغوط المرتبطة بالتقييمات المرتفعة، والتقلبات في أسواق العملات المشفرة، وعدم اليقين بشأن العائد الحقيقي من استثمارات الذكاء الاصطناعي.
ومع ذلك، يشير البعض إلى أن حدة الهبوط الأخيرة قد تفتح المجال لفترة من التماسك، تمنح الأسواق فرصة لإعادة تقييم الاتجاهات، قبل تحديد المسار التالي خلال الأسابيع المقبلة.
