بيتكوين تنزف تحت 61 ألف دولار.. هل انهارت أسطورة الملاذ الآمن؟
تواصل عملة «بيتكوين» المشفرة هبوطها الحاد، متراجعة إلى ما دون مستوى 61 ألف دولار، في موجة بيع عنيفة تُعد من أقسى التحركات السلبية التي تشهدها العملة منذ أكثر من عام، لتسجل أدنى مستوياتها منذ أكتوبر 2024، وتفقد نحو نصف قيمتها مقارنة بذروتها المسجلة قبل أربعة أشهر فقط.
وجاء هذا التراجع في ظل اتساع الاضطرابات في الأسواق المالية العالمية، وتزايد عمليات تفكيك الرهانات الممولة بالقروض، ما أدى إلى تعميق الخسائر في سوق الأصول الرقمية، وامتداد التأثير إلى العملات الأخرى، والصناديق المتداولة المرتبطة بـ«بيتكوين»، إضافة إلى الشركات التي تمتلك حيازات كبيرة من العملات المشفرة.
وخلال التعاملات الآسيوية المبكرة يوم الجمعة، انخفضت «بيتكوين» بنسبة قاربت 5% لتسجل نحو 60 ألف دولار، في استمرار لمسار هبوطي حاد بدأ منذ منتصف يناير، حين فقد المستثمرون شهية المخاطرة على خلفية تصاعد التوترات الجيوسياسية وتقلبات الأسواق العالمية.
من صعود صاروخي إلى دورة بيع ذاتية التعزيز
يمثل هذا الانخفاض انعكاساً حاداً للمكاسب الكبيرة التي حققتها «بيتكوين» خلال معظم العام الماضي، حين قادت عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، المعروف بدعمه للأصول الرقمية، موجة مضاربات قوية دفعت العملة إلى مستويات قياسية، مدعومة بتدفقات ضخمة من المؤسسات المالية وصناديق الاستثمار.
غير أن هذه المكاسب بدأت تتآكل مع تصاعد المخاطر العالمية، ودخول السوق في ما يصفه محللون بـ«دورة بيع ذاتية التعزيز»، حيث دفعت عمليات الاسترداد في الصناديق المتداولة إلى تسييل الأصول، ما زاد من الضغوط البيعية، خاصة على المراكز الممولة بالديون.
وتخلف أداء «بيتكوين» خلال الفترة الأخيرة عن مؤشرات رئيسية مثل «إس آند بي 500» و«ناسداك 100»، بل وحتى عن الذهب، الذي عاد للعب دور الملاذ الآمن التقليدي في أوقات الاضطراب، في حين واصلت العملات المشفرة التداول كأصول عالية المخاطر.
الخوف يسيطر وغياب المشترين
يقول كريس نيوهاوس، رئيس تطوير الأعمال في شركة «إرغونيا»، إن حالة الخوف وعدم اليقين باتت واضحة في سوق العملات المشفرة، موضحاً أن غياب المشترين الذين يعتمدون على قناعات طويلة الأجل يجعل كل موجة بيع أكثر حدة، ويُبقي الطلب العضوي عند مستويات هامشية.
وأضاف أن عمليات التسييل المتكررة واستردادات الصناديق المتداولة تضخم من حدة التراجعات، وتدفع المستثمرين إلى تبني مراكز دفاعية، ما يفاقم من الضغوط على الأسعار.
وتستحضر هذه التطورات أصداء ما حدث في عام 2022، حين تعرضت العملات المشفرة لانهيار واسع بعد طفرة السيولة خلال جائحة كورونا، مع اتجاه الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى تشديد السياسة النقدية ورفع أسعار الفائدة.
خسائر وتسريحات في شركات التداول
وألحقت موجة الهبوط الحالية أضراراً مباشرة بشركات التداول ومنصات العملات المشفرة، إذ تراجعت أسهم «كوين بايس غلوبال» بأكثر من 30% منذ بداية العام، بينما أعلنت شركة «جيميني» خططاً لخفض ما يصل إلى 25% من قوتها العاملة، مع إغلاق عملياتها في المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي وأستراليا.
كما تكبدت شركات تحتفظ بكميات كبيرة من «بيتكوين» خسائر ضخمة، في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول جدوى الاعتماد على العملة المشفرة كأصل استثماري طويل الأجل.
تشكيك متزايد في دور «بيتكوين» كملاذ آمن
في هذه المرحلة، تواجه «بيتكوين» تشكيكاً متنامياً بشأن دورها كملاذ آمن أو أداة تحوط ضد التضخم، خاصة مع فشلها في الحفاظ على استقرار نسبي خلال فترات الضغوط المالية، على عكس الذهب أو بعض العملات التقليدية.
ويرى محللون أن تزايد وجود «بيتكوين» في محافظ المؤسسات جعلها أكثر عرضة لعمليات تقليص المخاطر الجماعية، لا سيما خلال فترات التقلب في أسهم التكنولوجيا والأصول عالية المخاطر.
الصناديق الفورية تعكس الاتجاه
وكانت الصناديق الفورية المتداولة لـ«بيتكوين» في الولايات المتحدة قد لعبت دوراً محورياً في دعم الأسعار خلال عام 2025، مع تدفق عشرات المليارات من الدولارات إليها. إلا أن هذا الاتجاه انعكس مؤخراً، حيث خرج نحو ملياري دولار من هذه الصناديق خلال الشهر الماضي فقط، وأكثر من 5 مليارات دولار خلال ثلاثة أشهر، وفق بيانات جمعتها «بلومبرغ».
وامتد الهبوط إلى سوق الأصول الرقمية الأوسع، إذ سجلت العملات الأصغر تراجعات أشد، فيما هوى مؤشر الأصول الرقمية الصغيرة بنحو 70% خلال عام واحد.
هل انتهى الأسوأ؟
رغم الصورة القاتمة، يرى بعض الاستراتيجيين أن موجة البيع قد تكون اقتربت من نهايتها، مشيرين إلى أن مثل هذه التراجعات كانت تاريخياً فرص شراء للمستثمرين على المدى الطويل، وإن كانت محفوفة بمخاطر عالية.
لكن في المدى القريب، تبقى التوقعات حذرة، مع استمرار هيمنة الزخم السلبي، وترقب المستثمرين لأي إشارات تهدئة في الأسواق العالمية أو عودة للتدفقات المؤسسية.
