عمرو عامر يكتب: جهاز مستقبل مصر.. فخر الأرقام وعزيمة الرجال
هناك رجال يحولون الكلام إلى قصص سحرية رائعة لا تروي ظمأ الجوعى ولا تقنع البائسين بغد أفضل، بينما هناك رجال لا وقت لديهم للكلام ومضيعة الوقت حيث تتحول الأرقام لفخر على الصدور.. هؤلاء يصنعون الفارق ويصححون المعادلات ويقلبون الواقع مستقبلا مزدهرا، شاهدا على قهر المستحيل في ذِكر رجال عشقوا تراب هذا البلد.. رجال وقيادات جهاز مستقبل مصر بعض من رموز البلاد ممن قهرو الصحراء وغلبوا الرمال، لتحول القفر إلى جنات وحبات قمح وشعير وخضراوت وفاكهة وزيتون.
قبل سنوات قليلة.. لطالما كان وادي النيل هو «الخيط الأخضر»، الوحيد وسط بحر من الرمال، لكن المعادلة تتغير الآن فلم يعد المصريون ينتظرون السماء لتمطر، أو النهر ليفيض فحسب، بل قرروا اقتطاع مساحات شاسعة من قلب الصمت الصحراوي ليحولونها إلى سيمفونية من الخضرة والإنتاج، خلف هذا التحول يقف اسم واحد يتردد بقوة «جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة».
من «مشروع» إلى «قاطرة ثورة».. هكذا بدأ وإلى هذا صار.. بدأ الأمر بمشروع لاستصلاح 500 ألف فدان، لكن الطموح المصري لا يقف عند حدود، تحول «مستقبل مصر» إلى جهاز سيادي تنموي، ومظلة كبرى لمشروع «الدلتا الجديدة»، نحن لا نتحدث هنا عن زراعة تقليدية، بل عن «هندسة جغرافية» تعيد رسم خريطة مصر الاقتصادية.
في عرف الإدارة والتفكير خارج الصندوق يعد تدشين «جهاز مستقبل مصر»، ضربة معلم، إذ لم يكن الهدف مجرد زراعة محاصيل، بل كان «ضربة استباقية» لتحديات عالمية معقدة بالتوازي مع مهام أخرى أوكلت إليه لتعزيز القوة المصرية في قطاع الغذاء وتحييد أي ضغوطات اقتصادية خارجية قد تؤثر على القرار المصري، أو تهدد أمنه الغذائي أو تشعل الأسعار في الأسواق المصرية، ولعل المصريين شعروا بقيمة هذا الجهاز مع الوفرة في المحاصيل والمنتجات الزراعية والخضروات والفواكه بالأسواق على مدار الساعة وبأسعار هي الأرخص عالميا.
استراتيجية جهاز مستقبل مصر أعادت صياغة مفهوم الأمن القومي المصري لتشمل تأمين قطعة الخبز للمصريين وكل أنواع المحاصيل الاستراتيجية يقابل تلك الوفرة مخزون استراتيجي بشبكة مخازن وصوامع استراتيجية تضمن لمصر المناورة في أي وقت دون خوف من جوع أو نفاد الأسواق وهنا محور الهدف من إنشاء جهاز مستقبل مصر، في عالم تتقاذفه الحروب واضطرابات سلاسل الإمداد، أصبح رغيف الخبز وسلة الغذاء سلاحاً.
مايحصل في صحارى مصر شرقا وغربا معجزة بكل المقاييس، فهناك تفجر الصخور لتنبت فوقها سنابل الخير، وتشق الطرق لتخلق عالما جديدا من الخضرة والخير والقوة الاقتصادية.. تقول الأرقام إن الوصول إلى أكثر من 2.2 مليون فدان قاب قوسين أو أدنى، توفر عشرات الآف من فرص العمل لشباب مصر وتزرع معها فرص أفضل للحياة.
ما يحدث في الصحراء المصرية من خلال شركات جهاز مصر ليس مجرد استصلاح أراضي للزراعة لكن ترسخ مشروعات زراعية ومجتمعات صناعية عملاقة غير مسبوقة في تاريخ مصر ومع كل طريق جديد في الوديان الخالية يضيف شرايين جديدة من التنمية والعمران ويعيد توزيع الموارد والسكان ويمهد لإنشاء المدن والقرى الجديدة ومعها مستقبل جديد.
لعلك تعتقد عزيزي القاريء أن كل تلك المشروعات لجهاز مستقبل مصر كانت متاحة أو في حدود الممكن وهو اعتقاد خاطيء لأن خلفه تعب وعرق رجال وعقول فذة خرجت بحلول غير تقليدية، ويكفي أن تعرف أن مشروعات الجهاز لم تأتي على الموارد المائية للدولة وانها شيدت على سبيل المثال واحدة من أكبر المحطات في العالم وهي محطة الحمام لمعالجة مياه الصرف الزراعي وهي تنتج المياه عبر تدوير مياه الصرف الزراعي في دورة تكنولوجية مبهرة، ليثبت أن الإرادة أقوى من ندرة الموارد.
لعلك تعتقد أن الحلم انتهى.. لكن الحقيقة لقد بدأ للتو.. فـ «مستقبل مصر»، ليس مجرد جهاز لإدارة الأراضي، بل هو «العقل المدبر»، لجمهورية جديدة تؤمن بأن من لا يملك قوته، لا يملك قراره، إنها عزيزي القارئ الثورة الخضراء التي لا تكتفي بالأحلام، بل تحفرها بالجرارات والآلات في قلب الرمال الصفراء، وبقلوب مخلصة حتى الفناء في حب هذه البلاد.
