بدلاً من بيعه "تراب".. خطة الحكومة لتحويل مصر لمركز عالمي لتصنيع المعدن الأصفر.. المصفاة الوطنية للذهب تصنع طفرة في احتياطي النقد الأجنبي
لم يكن تشكيل "اللجنة العليا للذهب" بقرار رئاسي من الرئيس عبد الفتاح السيسي، وانعقاد اجتماعها الأول بمقر الحكومة بالعاصمة الإدارية، مجرد إجراء تنظيمي عابر في هيكل البيروقراطية المصرية، بل هو إعلان رسمي عن تحول جذري في فلسفة إدارة الثروات المعدنية.
فبينما تمتلك مصر احتياطيات هائلة من الذهب تتركز في منطقة الصحراء الشرقية (المعروفة جيولوجياً بالدرع العربي النوبي، وهي كتلة صخرية شاسعة تمتد بين مصر والسودان والجزيرة العربية وتعد من أغنى مناطق العالم بالعروق الذهبية)، ظل قطاع التعدين يعاني لعقود من فجوة هيكلية تتمثل في تصدير الذهب كمادة خام (Dore Bars)، فاقداً بذلك حلقات "القيمة المضافة" التي تقتنصها المصافي العالمية في دبي وسويسرا.
واليوم، تدخل الدولة منطقة "صناعة القرار الاستراتيجي" عبر حزمة من الإجراءات تستهدف تحويل الذهب من مجرد سلعة تداول محلية إلى أداة لتعزيز الاحتياطيات الدولية وسيادة النقد الأجنبي.
مصفاة الذهب الوطنية.. كسر احتكار "التنقية الخارجية"
ويعد مشروع إنشاء مصفاة ذهب وطنية بمعايير دولية (LBMA)، والذي تصدر أجندة الاجتماع الأول برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي، هو الرهان الأكبر للجنة.
واقتصادياً، تعني هذه الخطوة تحرير الذهب المصري من "قيد التصدير لأجل التنقية".
ففي السابق، كانت شركات التنقيب العاملة في الصحراء الشرقية تضطر لشحن نتاج مناجمها إلى الخارج لرفع درجة نقاوته (إلى 999.9) ليكون صالحاً للتداول العالمي، وهو ما كان يحمل الميزان التجاري تكاليف باهظة في اللوجستيات والتأمين والرسوم.
إن استعراض اللجنة لـ 3 مناطق مطروحة لإقامة المشروع يشير إلى رغبة الدولة في إيجاد "ظهير صناعي" قريب من مناطق الامتياز، مما يقلل تكلفة "سلاسل القيمة التعدينية".
ووفقاً للتحليل المالي، فإن امتلاك مصفاة معتمدة يتيح للبنك المركزي المصري شراء الإنتاج المحلي بالعملة المحلية وإضافته مباشرة إلى احتياطي الذهب العالمي، وهو ما يوفر سيولة دولارية ضخمة كانت تُستنزف في استيراد السبائك من الخارج لتغطية احتياجات الاحتياطي أو السوق.
تحالف السياسة النقدية والصناعية.. حوكمة "المعدن الأصفر"
عكست قائمة الحضور في الاجتماع الأول - بدءاً من محافظ البنك المركزي "حسن عبد الله" وصولاً إلى الفريق "كامل الوزير" ووزراء الاستثمار والتخطيط والبترول - رغبة الدولة في إنهاء "جزر الانعزال" في إدارة هذا الملف.
فالمشكلة لم تكن أبداً في ندرة الذهب، بل في "حوكمة تداوله". التوجيه بإعادة تنظيم "مصلحة دمغ المصوغات والموازين" وتوسيع اختصاصاتها هو اعتراف بضرورة وجود رقيب فني يمتلك القدرة على ضبط إيقاع السوق ومنع "التداول غير الشرعي".
إن دمج الاقتصاد الموازي للذهب في المنظومة الرسمية عبر "الرقمنة" و"الدمغ بالليزر" سيؤدي بالتبعية إلى استقرار الأسعار المحلية وتقليل الفوارق غير المبررة مع السعر العالمي، وهو ما يحمي "تحويشة العمر" للمواطنين ويمنع المضاربات التي تضر بالاستقرار النقدي.
التمدد الإقليمي.. مصر "خزنة إفريقيا" القادمة
الرؤية التي طُرحت في الاجتماع تتجاوز الحدود الجغرافية المصرية؛ ففكرة إنشاء "بنك متخصص في الذهب" ومستودعات مؤمنة بالتعاون مع بنك التصدير والاستيراد الإفريقي (أفريكسيم بنك) تقرأ جغرافيا الاقتصاد السياسي بعناية.
ومن المعلوم أن إفريقيا تنتج أكثر من 20% من ذهب العالم، لكنها تفتقر لمصادر التنقية والاعتماد الدولي في بلدان المنشأ.
وبناء مصفاة في مصر تخدم دول الجوار يعني تحويل القاهرة إلى "مركز مقاصة إقليمي" (Hub) للمعدن الأصفر. هذا المسار سيجعل من مصر وجهة لخام الذهب الإفريقي الذي سيبحث عن "الختم المصري المعتمد" ليدخل الأسواق العالمية، مما يخلق طلباً مستداماً على الخدمات المالية واللوجستية المصرية، ويحول قطاع التعدين إلى قاطرة نمو تساهم بفاعلية في الناتج المحلي الإجمالي.
التحديات التشريعية وفرص القطاع الخاص
ووجه الدكتور مدبولي الأمانة الفنية بإعداد "عروض تفصيلية" للتشريعات المقترحة، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات المستثمرين حول "مرونة القوانين القادمة".
وقال إن نجاح اللجنة مرهون بقدرتها على صياغة إطار قانوني يشجع الشراكة مع القطاع الخاص في مجالات "الاستخلاص والتصنيع" وليس فقط "التنقيب".
والعالم ينظر الآن إلى مصر كوجهة تعدينية واعدة، ووجود "لجنة عليا" تضم جهاز حماية المنافسة ووحدة مكافحة غسل الأموال يعطي رسالة طمأنة للمستثمر الدولي بأن سوق الذهب المصري أصبح يسير وفق قواعد اللعبة العالمية: "الشفافية، الجدارة، والمنافسة العادلة".
والخلاصة إن مصر الآن بصدد بناء "منظومة متكاملة" (Ecosystem) للذهب؛ تبدأ من المنجم وتنتهي بالبورصات العالمية.
كما أن التحول من "دولة مصدرة للخام" إلى "مركز صناعي" هو قرار استراتيجي يضع مصر على خارطة القوى التعدينية الكبرى، محولة الذهب من مجرد مخزن للقيمة إلى وقود للتنمية المستدامة وحائط صد ضد الأزمات الاقتصادية العالمية.



