فنزويلا تشتعل ومصر قد تربح.. ماذا يعني سيطرة أمريكا على نفط فنزويلا للاقتصاد المصري؟
في لحظة تاريخية تجمع بين الجرأة العنترية والطموحات الجيوسياسية، أصبح العالم شاهداً على فصل جديد من فصول الهيمنة الأمريكية، حيث تحولت فنزويلا - صاحبة أكبر احتياطي نفطي في العالم - إلى مسرح لعملية عسكرية أمريكية أدت إلى اختطاف رئيسها المنتخب، نيكولاس مادورو، وزوجته سيليا فلوريس.
وهذا الحدث، الذي وصفه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بـ"ضربة حاسمة ضد الإرهاب"، لم يكن مجرد اعتقال، بل إعلاناً صريحاً عن نية واشنطن في السيطرة على موارد النفط الفنزويلي، مما أثار تساؤلات حول مستقبل أسواق الطاقة العالمية وتداعياتها على اقتصادات الدول الناشئة مثل مصر.
ووسط تصاعد التوترات الدولية، يرى خبراء أن هذه العملية قد تكون بداية لإعادة رسم خريطة الطاقة، مع إمكانية انخفاض أسعار النفط وتعزيز الهيمنة الأمريكية، بينما تحذر أصوات أخرى من مخاطر حرب عالمية جديدة.
وفي هذا التقرير، من بانكير، نستعرض تأثير ما حدث في فنزويلا على الاقتصاد المصري والعالمي.
ماذا حدث في فنزويلا؟
بدأت الأحداث في 3 يناير 2026، عندما شنت الولايات المتحدة هجوماً عسكرياً واسع النطاق على فنزويلا، مستخدمة قوات خاصة وطائرات مسيرة للقبض على الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس من قصرهما في كاراكاس.
وفقاً لتقارير، تم نقل الزوجين إلى سفينة بحرية أمريكية قبالة السواحل قبل نقلهما إلى نيويورك، حيث يواجهان تهماً تتعلق بـ"الإرهاب والمخدرات والفساد".
وأعلن ترامب أن الولايات المتحدة ستتولى إدارة فنزويلا مؤقتاً، مشيراً إلى أن "النفط الفنزويلي مسروق من الشعب" وأن الشركات الأمريكية ستعود لاستغلال الحقول النفطية، التي تشكل 303 مليار برميل - أي 17-18% من الاحتياطي العالمي.
وفي 5 يناير، مثل مادورو أمام محكمة فيدرالية في نيويورك، حيث أكد أنه "لا يزال رئيس فنزويلا" وأنه "مختطف وأسير حرب"، نافياً جميع التهم.
وأثار الحدث غضباً دولياً، مع إعلان الصين عن حماية مصالحها في فنزويلا - التي تشمل قروضاً بقيمة 19 مليار دولار - عبر التحكيم الدولي، معتبرة أن أي تغيير في الحكومة لا يلغي الالتزامات.
كما أدى إلى تقلبات في أسواق النفط، مع توقعات بزيادة الإنتاج الفنزويلي تحت السيطرة الأمريكية، مما قد يخفض الأسعار إلى مستويات تاريخية.

فرصة ذهبية لتخفيض أسعار الوقود في مصر
وأكد الخبير الاقتصادي كريم العمدة أن أحداث فنزويلا لن تلقي بظلال سلبية مباشرة على مصر، بل قد تحولها إلى فرصة إيجابية.
وفي تصريحات لـ "بانكير"، قال العمدة: "مفيش أي علاقة أو أثر مباشر سلبي لما حدث في فنزويلا على الاقتصاد المصري، بل الأمر قد يكون إيجابيًا، ففنزويلا كانت تعاني من الحظر وكانت خارج حسابات الاحتياطي العالمي، وإنتاجها لا يتعدى مليون برميل يوميًا من إجمالي 100 مليون برميل يتم إنتاجها في العالم".

وأضاف: "لكن سيطرة واشنطن على الإنتاج النفطي في فنزويلا يعني أن أسعار النفط ستنخفض وستكون ما بين 50 - 60 دولارًا فقط، وبالتالي أثره إيجابي على الموازنة العامة المصرية فنحن حتى الآن نقيم الأسعار في الموازنة ما بين 60 - 65 دولارًا للبرميل مما يعني إمكانية أن تخفض الدولة أسعار البنزين".
ويرى العمدة أن هذا الانخفاض سيخفف العبء على الموازنة المصرية، مما يتيح تخفيضات في أسعار المحروقات وتعزيز القدرة التنافسية للصناعات المعتمدة على الطاقة.
استفادة غير مباشرة عبر التخزين والتكرير
من جانبه، تحدث الدكتور سمير رؤوف، الخبير الاقتصادي، من عدم وجود استفادة فورية مباشرة، لكنه يبرز فرصاً في انخفاض الأسعار.
وقال رؤوف في تصريحات لـ "بانكير: "مفيش أي استفادة مباشرة لمصر من سيطرة الولايات المتحدة على فنزويلا، وفنزويلا لديها 19.4 من احتياطي العالم كله من النفط، وسيطرة أمريكا عليها ستجعل السعر العالمي للنفط ينخفض فالولايات المتحدة والصين أكبر مستهلكي النفط في العالم، والصين ستعتمد على السعودية والدول العربية، والولايات المتحدة ستعتمد على النفط الفنزويلي التي سيطرت عليه في الفترة القادمة، وهذا سيؤدي لزيادة الإنتاج وبالتالي سيتغطى الطلب مما سيجعل الأسعار منخفضة".
وأضاف: "عند نزول أسعار النفط بمتوسط من 7 لـ 10 دولار، مما قد يجعله يصل إلى مستوى 55 دولارًا للبرميل، حينها مصر ستستفيد من هبوط السعر حيث تستطيع تخزين كميات كبيرة في الأراضي المصرية واستخدامها في محطات التكرير الضخمة الموجودة في مصر".

وتابع رؤوف: "أما بالنسبة لموضوع الحرب الشاملة فالعالم يعيش الآن على صفيح ساخن ما بين الحرب في اليمن والصومال والحرب في أوكرانيا والمخاوف من ضرب الولايات المتحدة لإيران بجانب تصريحات ترامب التي تلمح لإمكانية التدخل في كولومبيا أيضًا بعد خطف رئيس فنزويلا، وهذا قد يؤثر على حركة التجارة العالمية وليس مصر بمفردها".
وأكد رؤوف أن مصر يمكنها استغلال الانخفاض لتعزيز احتياطياتها، لكنه يحذر من أن التوترات العالمية قد تعرقل التجارة الدولية ككل وتؤثر على الاقتصاد العالمي.
سيطرة أمريكية على الطاقة تهدد الصين وتفيد مصر
أما الدكتور حسن هيكل، الخبير الاقتصادي، فيربط الحدث باستراتيجية أمريكية أوسع للسيطرة على الطاقة، حيث قال هيكل: "كانت فنزويلا تنتج بأكثر من 2.5-3 ملايين برميل يوميًا خلال سنوات ما قبل 2015، لكن الإنتاج انخفض بشكل كبير في العقد الماضي، والإنتاج اليومي الحقيقي (2025) يتراوح غالبًا بين 900,000 و1.1 مليون برميل يوميًا".
وأضاف في تصريحات لـ "بانكير": "صناعه النفط في فنزويلا سبق تاميمها بالكامل لصالح الدوله منذ العام 1976 وتأكدت في عهد الرئيس شافيز الذي أعلن مرارا تاثره بتجربه عبد الناصر التحرريه لتصبح شركه PDVSA هي الكيان الرئيسي الذي يتحكم بإنتاج وتصدير النفط في فنزويلا، وهو ما لم ترتضيه الولايات المتحده مما جعل ترامب يطلق عليه اسم نفطنا المسروق لانه كان يريد للشركات الامريكيه ان تحصل علي نصف عائدات النفط بدعوي اكتشاف و تنميه حقول النفط و استخدام التكنولوجيا في الاستخراج".

وتابع هيكل: "بسبب العقوبات الامريكيه انخفض انتاج فنزويلا لاقل من 1.1 مليون برميل يوميا حاليا لكن حجم الاحتياطي العملاق من النفط لدي فنزويلا جعهلها مطمع للولايات المتحده، ففنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفطي مثبت في العالم (303 مليار برميل نفط خام) هذا يمثل نحو 17-18٪ من مجموع الاحتياطيات النفطية اي انها تملك احتياطي اكبر من السعودية وإيران والعراق مجتمعين لذا بات واضحا ان السيطره علي منابع الطاقه حول العالم صارت هدفا استراتيجيا للولايات المتحده التي لجأت لخيارات عسكريه في ليبيا و العراق و اخيرا فنزويلا لتحاصر بالطاقه الصين التي تمثل الوجهة الأكبر لصادرات النفط الفنزويلي حاليا".
وأشار إلى أنه غالبًا ما تستحوذ الصين على حوالي 80-85٪ من إجمالي الصادرات مما يمثل تهديدا لمستقبل مصادر الطاقه النفطيه للصين.
وأكد هيكل، أنه علي الاجل القصير لا نتوقع تغيرًا لأن أغلب واردات النفط تكون وفق عقود ممتده و أغلب واردات مصر من النفط الخام تاتي من المملكه العربيه السعوديه عبر خط سوميد لكن مع هبوط اسعار النفط إذا زاد إنتاج فنزويلا النفطي فأن فاتوره الإستيراد المصريه ستنخفض حيث بلغت خلال النصف الأول من 2025، واردات مصر من الوقود (الذي يشمل النفط الخام والمنتجات البترولية والغاز) حوالي 10 مليارات دولار في 6 شهور.
ولفت إلى أنه ما لم يتم تنميه الحقول و يتحقق زياده في الأنتاج - ستنخفض اسعار مئات المنتجات التي تعتمد علي اسعار النفط و التي تستوردها مصر - مثل البوليستر المستخدم في صناعه الغزل و النسيج الملابس و الـ pvc المستخدم في صناعات البلاستيك والمواسير والالياف الصناعيه وغلاف اسلاك الكهرباء و غيرها - السولار و المازوت و الغاز المستخدم في الصناعه و محطات الكهرباء و البنزين الاسفلت و الاسمده و المبيدات.
ويرى هيكل أن السيطرة الأمريكية تهدف إلى حصار الصين، لكنها ستقلل فاتورة الاستيراد المصرية، التي بلغت 10 مليارات دولار في النصف الأول من 2025، وتخفض أسعار المنتجات الصناعية.
