الأحد 08 نوفمبر 2026
رئيس التحرير
عمرو عامر
رئيس التحرير
عمرو عامر
اقتصاد مصر

إحياء طريق الكباش.. 1057 تمثالًا وممر أثري يعيد أمجاد طيبة ويعزز سياحة الأقصر

الأحد 08/نوفمبر/2026 - 12:03 م
طريق الكباش
طريق الكباش

يمثل مشروع إحياء طريق الكباش بمدينة الأقصر أحد أبرز المشروعات القومية التي تستهدف الحفاظ على التراث الحضاري المصري وتعظيم الاستفادة من المقومات السياحية والأثرية، من خلال إعادة إظهار أحد أهم الشواهد التاريخية للحضارة المصرية القديمة، وربط معبدي الأقصر والكرنك في مسار أثري متكامل يعيد رسم خريطة السياحة الثقافية في مصر.

ولا تقتصر أهمية المشروع على الكشف عن طريق أثري يمتد لآلاف السنين، بل تتجاوز ذلك إلى تقديم تجربة سياحية تجمع بين التاريخ والعمارة والفنون والاحتفالات، بما يعزز مكانة الأقصر على خريطة السياحة العالمية، ويدعم توجه الدولة لتحويل المدينة إلى أكبر متحف مفتوح في العالم.

ويعكس المشروع توجهًا نحو تحويل الآثار المصرية من مواقع للزيارة المنفردة إلى منظومة سياحية متكاملة، تتيح للزائر التعرف على تاريخ المدينة القديمة ومظاهر الحياة الدينية والاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها عبر العصور.

طريق الكباش.. ممر تاريخي يربط معبدي الأقصر والكرنك

يمتد طريق الكباش بطول 2.7 كيلومتر، وبعرض يصل إلى 76 مترًا، ويربط بين معبد الأقصر ومجمع معابد الكرنك، ويضم على جانبيه نحو 1057 تمثالًا، تتنوع أشكالها بين تماثيل أبي الهول برؤوس الكباش، والكباش الكاملة، وتماثيل برؤوس بشرية وأجسام الأسود.

ويحمل الطريق دلالات دينية وتاريخية مهمة، إذ ارتبط بالإله آمون، الذي كان الكبش أحد رموزه المقدسة في مصر القديمة، كما عرف باسم طريق المواكب الكبرى أو طريق الإله، وكان مسرحًا للاحتفالات الدينية والملكية التي شهدتها مدينة طيبة القديمة.

ومن أبرز الاحتفالات التي ارتبطت بالطريق عيد الأوبت، الذي كان يشهد انتقال المراكب المقدسة لثالوث طيبة المكون من آمون وموت وخنسو، من معابد الكرنك إلى معبد الأقصر، وسط مواكب احتفالية تعكس مكانة المعتقدات الدينية في المجتمع المصري القديم.

كما ارتبط الطريق باحتفالات تتويج الملوك، ليصبح أحد أهم المحاور الدينية والاحتفالية في العاصمة المصرية القديمة.

وتشير النقوش التاريخية إلى اهتمام الملك نختنبو الأول، مؤسس الأسرة الثلاثين، باستكمال الطريق وإظهاره في صورته المعمارية، حيث أقام تماثيل أبي الهول ذات رؤوس الكباش، ووثق أعماله بنقش تذكاري يصف فيه الطريق الذي أنشأه للإله آمون رع، محاطًا بالأسوار ومزينًا بالزهور، ليكون مسارًا للمواكب المتجهة إلى معبد الأقصر.

اكتشافات أثرية تكشف تفاصيل الحياة في طيبة القديمة

تتجاوز القيمة التاريخية لطريق الكباش التماثيل الممتدة على جانبيه، إذ كشفت أعمال الحفائر عن مجموعة من المنشآت والآثار التي تقدم معلومات عن طبيعة الحياة الاقتصادية والاجتماعية في مدينة طيبة القديمة.

ومن بين الاكتشافات مقياس النيل ومعاصر النبيذ ومناطق صناعية ارتبطت بصناعة الفخار والتمائم والحلي، وهي شواهد توضح تنوع الأنشطة التي مارسها سكان المدينة عبر فترات تاريخية مختلفة، وصولًا إلى العصر اليوناني الروماني.

وتمنح هذه الاكتشافات المشروع بعدًا علميًا يتجاوز الجانب السياحي، إذ تساعد الباحثين على فهم تطور الأنشطة الإنتاجية والتجارية والحرفية، وطبيعة العلاقة بين المراكز الدينية والأنشطة الاقتصادية في مصر القديمة.

كما تتيح للزائر التعرف على جوانب مختلفة من الحضارة المصرية، فلا يقتصر المشهد على المعابد والتماثيل، وإنما يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية والأنشطة التي مارسها المصريون القدماء.

أكثر من 70 عامًا من أعمال التنقيب والتطوير

استغرق الكشف عن طريق الكباش عقودًا طويلة من أعمال التنقيب والبحث الأثري، حيث تعود بدايات العمل الحديث إلى عام 1948، عندما كلفت مصلحة الآثار المصرية كبير المفتشين الدكتور زكريا غنيم بالكشف عن ملحقات معبد الأقصر، ضمن جهود إبراز المعالم الأثرية للمدينة.

وجاءت هذه الأعمال امتدادًا لاهتمام سابق بتطوير الأقصر والكشف عن آثارها، يعود إلى أواخر القرن التاسع عشر، في إطار جهود مصلحة الآثار المصرية لإظهار معالم المدينة التاريخية.

وشهدت أعمال الحفائر مراحل متعددة من التقدم والتوقف، قبل أن تتوقف خلال عام 2011، ثم تستأنف في عام 2017، مع تكثيف أعمال الكشف الأثري والتطوير والترميم، نظرًا للأهمية التاريخية للطريق باعتباره أحد العناصر المرتبطة بموقع طيبة الأثري المدرج على قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو.

وشاركت فرق علمية متخصصة في دراسة طبقات الأرض والتربة، إلى جانب خبراء الترميم والأثريين، الذين عملوا على تجميع الأجزاء المتبقية من التماثيل وإعادة تثبيتها، خاصة أن عددًا منها تعرض للتكسير نتيجة أعمال الحفر السابقة وإقامة المنشآت.

واعتمدت فلسفة الترميم على الحفاظ على الأجزاء الأصلية المتبقية من التماثيل، ورفض استكمالها بنماذج حديثة، حفاظًا على القيمة التاريخية والأثرية للطريق، وضمان عدم الخلط بين العناصر الأصلية والإضافات المعاصرة.

تطوير معبدي الأقصر والكرنك ضمن مشروع متكامل

ارتبط إحياء طريق الكباش بأعمال تطوير وترميم عدد من المنشآت الأثرية المحيطة به، وفي مقدمتها معبدا الأقصر والكرنك، بما يضمن تقديم الموقع في صورة متكاملة تتناسب مع قيمته الحضارية.

وشملت أعمال الترميم بمجمع معابد الكرنك صالة الأعمدة الكبرى، التي تضم 134 عمودًا يصل ارتفاع الواحد منها إلى نحو 20 مترًا، حيث تضمنت الأعمال إزالة الأتربة ومعالجة آثار عوامل التعرية، وترميم الزخارف والنقوش الهيروغليفية وإظهار تفاصيلها.

كما امتدت أعمال الترميم إلى تمثال الملك تحتمس الثاني الموجود بالصرح الثامن بمعبد الكرنك، في إطار خطة تستهدف الحفاظ على العناصر المعمارية والفنية التي تمثل جزءًا من تاريخ الحضارة المصرية.

ويعكس هذا التكامل أهمية المشروع، إذ لا يستهدف إظهار طريق الكباش باعتباره معلمًا منفصلًا، وإنما إعادة تقديم المنطقة الأثرية بأكملها باعتبارها وحدة تاريخية وسياحية مترابطة.

احتفالية 25 نوفمبر 2021.. حدث عالمي للترويج للسياحة المصرية

شكل افتتاح طريق الكباش بعد تطويره في 25 نوفمبر 2021 محطة مهمة في مسار المشروع، حيث شهدت مدينة الأقصر احتفالية عالمية بعنوان «الأقصر.. طريق الكباش»، بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي والسيدة انتصار السيسي، ومشاركة عدد من كبار المسؤولين والسفراء وممثلي وسائل الإعلام الدولية.

وحظيت الاحتفالية بتغطية إعلامية واسعة، شاركت فيها نحو 1200 قناة ووسيلة إعلام دولية ومحلية، إلى جانب حضور 33 سفيرًا أجنبيًا، لتتحول المناسبة إلى حدث ترويجي تجاوز حدود الافتتاح التقليدي للمشروعات الأثرية.

واستندت العروض الفنية إلى استلهام طقوس عيد الأوبت، من خلال إعادة تقديم بعض مشاهد المواكب الدينية والاحتفالات التي كانت تشهدها طيبة القديمة، مع توظيف الرؤية الفنية المعاصرة دون تقديمها باعتبارها إعادة تصوير حرفية للطقوس التاريخية.

واستند تصميم الديكورات والأزياء إلى المراجع العلمية والنقوش الموجودة على جدران معبد الأقصر، التي توثق تفاصيل موكب عيد الأوبت، منذ انطلاقه من معابد الكرنك وحتى وصوله إلى معبد الأقصر عبر طريق المواكب الكبرى.

كما استلهمت المراكب الثلاثة المستخدمة في الاحتفالية تصميم الزوارق المقدسة الخاصة بالثالوث الإلهي لطيبة، والمكون من آمون وموت وخنسو، مع زيادة أطوالها لتصل إلى 14 مترًا لكل مركب، مقارنة بنحو 5 أمتار للمراكب الأصلية، بما يسمح بظهورها بوضوح خلال العرض.

وشملت التجهيزات تصميم حامل لنقل الهدايا، ومحاكاة بعض مظاهر الموكب القديم، إلى جانب توزيع الإضاءات والإكسسوارات على جانبي مسار الاحتفالية، وتصميم ملابس المشاركين من الراقصين والعازفين والموسيقيين والفنانين بما يتناسب مع الطابع التاريخي للحدث.

عروض فنية تستعيد طقوس عيد الأوبت

اعتمدت الاحتفالية على عناصر بصرية وفنية استلهمت الرموز المصرية القديمة، حيث صمم الديكور المقام أمام الصرح الأول لمعبد الأقصر على هيئة قرص الشمس، بينما اصطف حوله الراقصون وقارعو الطبول ولاعبو الأكروبات لاستقبال الموكب والإعلان عن وصول المراكب المقدسة.

كما استلهم تصميم المسرح المقام في معبد الرامسيوم بالبر الغربي للأقصر شكل مفتاح الحياة «العنخ»، أحد أبرز الرموز المصرية القديمة.

وشهدت الاحتفالية تنفيذ مشهد فني عند البحيرة المقدسة بمعابد الكرنك، استغرق إعداده سبعة أيام من العمل المتواصل، حيث أقيم مسرح خشبي أسفل مستوى مياه البحيرة بنحو 5 سنتيمترات، بما يسمح بتفاعل الراقصين مع المياه خلال العرض.

وعكست هذه التفاصيل حجم الإعداد الفني والتقني للاحتفالية، التي استهدفت تقديم الحضارة المصرية بصورة تجمع بين الدقة التاريخية والإنتاج الفني الحديث، وتمنح المشاهدين تجربة بصرية ترتبط بالمكان وقيمته الأثرية.

اهتمام دولي يعزز مكانة الأقصر السياحية

حظيت احتفالية افتتاح طريق الكباش باهتمام وسائل الإعلام الدولية، التي تناولت الحدث باعتباره مناسبة ثقافية وسياحية تعيد تسليط الضوء على ثراء الحضارة المصرية القديمة.

ووصف الإعلام الأمريكي الاحتفالية بأنها شديدة الفخامة، وسلط الضوء على الألعاب النارية والعروض الموسيقية والمشاهد الفنية التي أعادت تقديم أجواء الاحتفالات القديمة، مشيرًا إلى أن إحياء الطريق يمثل تتويجًا لعقود من أعمال التنقيب والكشف الأثري.

كما ركزت التغطيات الأمريكية على المكانة التاريخية للأقصر باعتبارها متحفًا مفتوحًا يضم مجموعة كبيرة من المعابد والمقابر والآثار، وعلى أهمية المشروع في دعم الترويج السياحي لمصر.

أما الإعلام البريطاني، فربط بين الاحتفالية وجهود الدولة المصرية لتنشيط قطاع السياحة، خاصة بعد التداعيات التي خلفتها جائحة كورونا على حركة السفر والسياحة الدولية، كما نقل إشادات بأهمية المشروع من الناحية الأثرية والتاريخية.

وفي روسيا، وصفت التغطيات الاحتفالية بأنها حدث أسطوري يليق بتاريخ أحد أقدم الممرات الأثرية في العالم، مع الإشارة إلى الفيلم التسجيلي المصاحب لها، الذي أبرز التنوع الديني والثقافي في الأقصر، من خلال عرض المساجد والكنائس والمعالم التاريخية بالمدينة.

ويعكس هذا الاهتمام الإعلامي أهمية توظيف المشروعات الأثرية الكبرى في بناء صورة سياحية لمصر، تستند إلى تراثها الحضاري وتنوع منتجاتها السياحية.

تحويل الاحتفالية إلى فعالية سنوية لتنشيط السياحة

يمثل الاتجاه نحو تنظيم فعالية «الأقصر.. طريق الكباش» بصورة سنوية خطوة تستهدف تحويل الاحتفالية من حدث افتتاحي إلى منتج سياحي منتظم، يمكن أن يجذب الزائرين من مختلف دول العالم.

وتتوافق هذه الخطوة مع استراتيجية وزارة السياحة والآثار لتنويع الفعاليات السياحية على مدار العام، وإضافة أنشطة ثقافية وفنية إلى برامج زيارة المواقع الأثرية.

كما يتيح تنظيم الفعالية بصورة دورية فرصة لربط الزيارة السياحية بتجربة ثقافية متكاملة، من خلال إتاحة الفرصة أمام السائحين لمتابعة العروض والتجول في طريق المواكب الملكية والتعرف على تاريخ معبدي الكرنك والأقصر.

وتتجاوز أهمية هذا التوجه زيادة أعداد الزائرين إلى دعم الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالسياحة، مثل الفنادق والمطاعم والنقل والخدمات السياحية، فضلًا عن توفير فرص عمل في القطاعات المرتبطة بتنظيم الفعاليات والأنشطة الثقافية.

طريق الكباش.. استثمار في التراث والاقتصاد السياحي

يكشف مشروع إحياء طريق الكباش عن تحول مهم في طريقة استثمار مصر لمواردها الأثرية، من خلال الجمع بين أعمال التنقيب والترميم والحفاظ على الآثار، وبين تطوير التجربة السياحية والترويج الدولي للمواقع التاريخية.

ويمثل المشروع إضافة إلى المقومات السياحية للأقصر، ويساعد على إطالة مدة إقامة السائحين، من خلال توفير مسارات للزيارة تربط بين عدد من أهم المعالم الأثرية في المدينة، بدلًا من الاكتفاء بزيارة كل موقع بصورة منفصلة.

كما يفتح المشروع المجال أمام تطوير أنماط جديدة من السياحة الثقافية، تعتمد على الفعاليات الدورية والعروض الفنية والتجارب المرتبطة بالتاريخ المصري القديم، وهو ما يعزز قدرة الأقصر على جذب شرائح متنوعة من السائحين.

ويرتبط تحقيق العائد الاقتصادي المستدام للمشروع بانتظام الفعاليات، وتطوير الخدمات السياحية، وتحسين وسائل الانتقال بين المواقع الأثرية، وتعزيز مشاركة القطاع الخاص في تقديم الأنشطة والخدمات المرتبطة بالزيارة.

وبذلك، لا يمثل إحياء طريق الكباش مجرد إعادة اكتشاف لممر أثري يعود إلى آلاف السنين، بل يعكس رؤية تستهدف تحويل التراث المصري إلى أحد محركات التنمية الاقتصادية والسياحية، وترسيخ مكانة الأقصر باعتبارها واحدة من أهم الوجهات الثقافية في العالم.