العقوبات الأميركية على الصين.. هل ترتد خسائرها على الشركات الأميركية؟
لم تعد الحرب التكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين مجرد صراع على امتلاك أحدث الرقائق وأقوى أنظمة الذكاء الاصطناعي، بل تحولت إلى اختبار اقتصادي واسع تتجاوز تداعياته حدود البلدين، لتصل إلى الشركات والمستثمرين وسلاسل التوريد العالمية. وفي خضم هذه المواجهة، لم تعد العقوبات والقيود التجارية تضمن بالضرورة تحقيق مكاسب للطرف الذي يفرضها، أو إضعاف الطرف المستهدف بها.
وتكشف دراسة بحثية أعدها أكاديميون واقتصاديون، بالاعتماد على تحليل مئات الآلاف من مكالمات إعلان نتائج الشركات باستخدام نماذج الذكاء الاصطناعي، أن الضغوط الجيوسياسية قد تنتج رابحين وخاسرين بصورة غير متوقعة. فبينما تتضرر شركات أميركية من القيود المفروضة على منافسيها، قد تجد شركات صينية في هذه الإجراءات حافزاً لتطوير قدراتها المحلية وتقليل اعتمادها على التكنولوجيا الأجنبية.
قيود الرقائق تكشف الوجه الآخر للحرب التجارية
بدأت إحدى المحطات البارزة في هذه المواجهة مطلع عام 2024، عندما أعلنت شركة «إيه إس إم إل» الهولندية، المتخصصة في تصنيع معدات إنتاج أشباه الموصلات، أنها لا تتوقع الحصول على تراخيص لتصدير أكثر أنظمة الطباعة بالغمر تطوراً إلى الصين خلال العام نفسه.
وجاء القرار بعد ضغوط أميركية استمرت سنوات، في إطار مساعي واشنطن للحد من وصول بكين إلى التقنيات المتقدمة التي يمكن أن تساعدها على تطوير صناعة الرقائق وتعزيز قدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي.
وكانت الشركة الهولندية تتوقع أن تؤدي القيود إلى خفض مبيعات معداتها الأساسية للصين بنسبة تتراوح بين 10% و15%، وهو ما كشف مبكراً عن أن المواجهة التكنولوجية لا تقتصر على الشركات الصينية المستهدفة، بل تمتد أيضاً إلى الشركات العالمية التي تعتمد على السوق الصينية لتحقيق جانب من إيراداتها.
ومن هنا يبرز السؤال الأهم بالنسبة للمستثمرين: هل تنجح العقوبات في إضعاف المنافس، أم أنها تدفعه إلى بناء بدائل محلية، بينما تتحمل الشركات التي تفرض عليها القيود جزءاً من الخسائر؟
الذكاء الاصطناعي يكشف ما تخفيه الشركات
للإجابة عن هذا السؤال، اتجهت دراسة بحثية بعنوان «الضغوط الجيواقتصادية» إلى تحليل أكثر من 600 ألف مكالمة لإعلان نتائج الشركات على مدار عقدين، شملت نحو 22 ألف شركة مدرجة حول العالم، بينها شركات صينية.
وأعد الدراسة كريستوفر كلايتون، أستاذ التمويل في كلية ييل للإدارة، بالتعاون مع مجموعة من الاقتصاديين، واستخدم الباحثون نماذج لغوية كبيرة مفتوحة المصدر لتحليل تصريحات المسؤولين التنفيذيين، ومحاولة تحديد التأثير الفعلي للقرارات السياسية والتجارية على أداء الشركات.
وتكمن أهمية هذه المنهجية في أنها لا تكتفي برصد الكلمات التي يستخدمها المسؤولون عند الحديث عن العقوبات أو الرسوم الجمركية، بل تحاول فهم ما إذا كانت هذه الإجراءات دفعت الشركات بالفعل إلى تغيير أسعار منتجاتها، أو نقل استثماراتها، أو تعديل سلاسل التوريد، أو زيادة الإنفاق على البحث والتطوير.
بمعنى أبسط، لا يسأل التحليل عما إذا كانت الشركة قد تحدثت عن الحرب التجارية، وإنما عما إذا كانت هذه الحرب قد غيرت طريقة عملها وأثرت في أرباحها وتكاليفها.
وهذا فارق مهم، لأن الشركات لا تكشف دائماً بصورة مباشرة عن حجم الأضرار التي تتعرض لها نتيجة القرارات السياسية، كما أن البحث التقليدي بالكلمات المفتاحية قد يخلط بين الأحداث العادية والاضطرابات الناتجة عن العقوبات.
الصين تحوّل القيود إلى دافع لتطوير صناعتها
من أبرز النتائج التي توصلت إليها الدراسة أن القيود الأميركية على صادرات التكنولوجيا لم تؤدِ فقط إلى الضغط على الشركات الصينية، بل دفعت عدداً منها إلى زيادة استثماراتها في البحث والتطوير.
ففي نحو 40% من مكالمات إعلان نتائج الشركات الصينية التي رصدت تأثيراً لقيود التصدير، تحدثت الإدارات عن زيادة الإنفاق على البحث والتطوير.
والأكثر دلالة أن ثلثي هذه الحالات ارتبطت بما وصفته الدراسة بـ«توطين التقنيات الأساسية»، أي ضخ الأموال في معدات محلية لتصنيع الرقائق، بهدف تقليل الاعتماد على التكنولوجيا الأجنبية وتجاوز القيود المفروضة على استيرادها.
وهنا تظهر إحدى المفارقات الرئيسية في الحرب التكنولوجية؛ فالإجراء الذي يستهدف إبطاء تقدم المنافس قد يتحول إلى حافز يدفعه لتسريع بناء قدراته الذاتية.
ولا يعني ذلك أن الصين أصبحت قادرة على الاستغناء سريعاً عن التكنولوجيا المتقدمة أو تجاوز جميع القيود، لكنه يشير إلى أن الضغوط الخارجية قد تغير أولويات الاستثمار لديها، وتوجه المزيد من الموارد نحو تطوير بدائل محلية.
وبالنسبة للمستثمرين، فإن هذه التحولات تفتح الباب أمام فرص جديدة في الشركات التي تعمل في تصنيع معدات الرقائق والمكونات التكنولوجية محلياً، لكنها في الوقت نفسه ترفع مستوى المخاطر أمام الشركات الأجنبية التي كانت تعتمد على تصدير التكنولوجيا إلى السوق الصينية.
العقوبات على روسيا كشفت مستفيدين خارج دائرة الصراع
لم تقتصر هذه المفارقة على الحرب التكنولوجية بين واشنطن وبكين، إذ رصدت الدراسة نتائج مشابهة للعقوبات الغربية المفروضة على روسيا بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022.
فقد تحملت شركات أوروبية وأميركية خسائر نتيجة تخفيض القيمة الدفترية لأصولها في روسيا، أو فقدان أصول أخرى، فضلاً عن ارتفاع تكاليف الخدمات اللوجستية واضطراب حركة التجارة.
لكن هذه الخسائر لم تعنِ أن جميع الأطراف خارج روسيا تضررت بالدرجة نفسها؛ إذ استفادت شركات في دول لم تنخرط في العقوبات، خصوصاً الصين والهند، من الفراغ الذي تركه تراجع المنافسة الغربية.
وسارعت شركات في البلدين إلى استغلال الفرص المتاحة، بما في ذلك شراء خام الأورال الروسي بأسعار مخفضة، وهو ما أتاح لها الحصول على مدخلات إنتاج بتكلفة أقل نسبياً.
وتوضح هذه التجربة أن العقوبات لا تعيد توزيع الخسائر والمكاسب بين الدول المستهدفة والدول التي تفرضها فقط، بل قد تخلق فرصاً اقتصادية لدول ثالثة لم تكن طرفاً مباشراً في الصراع.
الرسوم الجمركية الأميركية لم تحقق النتيجة المتوقعة
وتقدم الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال عام 2025 مثالاً آخر على الفجوة بين الأهداف السياسية والنتائج الاقتصادية الفعلية.
فقد راهنت الإدارة الأميركية على أن يتحمل المصدّرون الأجانب الجزء الأكبر من تكلفة الرسوم، من خلال خفض أسعار منتجاتهم للحفاظ على قدرتهم التنافسية في السوق الأميركية.
لكن نتائج الدراسة تشير إلى أن هذا السيناريو لم يتحقق على النحو المتوقع؛ ففي نحو ثلاثة أرباع الحالات التي كشفت فيها إدارات الشركات عن تأثير الرسوم الجمركية، كان الأثر سلبياً.
ومن بين الشركات التي تحدثت عن تضررها المباشر، عزت قرابة 60% من الحالات ذلك إلى ارتفاع تكلفة مستلزمات الإنتاج.
وهذا يعني أن الرسوم لم تقتصر آثارها على السلع المستوردة، بل امتدت إلى الشركات المحلية التي تستخدم مكونات وخامات أجنبية في عمليات التصنيع. فالشركة الأميركية التي تستورد أجزاءً من منتجاتها قد تجد نفسها أمام تكلفة أعلى، حتى لو كانت تبيع منتجاتها داخل الولايات المتحدة.
في المقابل، استفادت بعض الشركات المحلية التي لا تعتمد بدرجة كبيرة على سلاسل التوريد الأجنبية؛ إذ لم تتحمل الزيادة نفسها في تكاليف الإنتاج، وأصبحت في وضع يسمح لها برفع أسعارها أو تحسين قدرتها التنافسية أمام المستوردين.
أما بعض المنتجين الأجانب، فلم يختاروا خفض أسعار صادراتهم لتحمل الرسوم، بل اتجهوا إلى نقل مصانعهم إلى دول مثل فيتنام والمكسيك، في محاولة لتجاوز القيود وإعادة تنظيم عمليات الإنتاج.
من يتحمل فاتورة الصراع ومن يحصد المكاسب؟
تكشف هذه الأمثلة أن العقوبات والرسوم الجمركية وحظر تصدير التكنولوجيا ليست أدوات اقتصادية مضمونة النتائج، حتى عندما تمتلك الدولة التي تستخدمها نفوذاً كبيراً في التجارة العالمية أو التكنولوجيا.
فقد تتضرر الشركات المحلية التي تعتمد على الواردات، بينما تستفيد شركات منافسة لا تعتمد على سلاسل التوريد نفسها. وقد تؤدي القيود المفروضة على دولة إلى تسريع استثماراتها في البدائل المحلية، أو تمنح دولاً أخرى فرصة لزيادة حصتها السوقية.
وبالنسبة للمستثمرين، لا يكفي معرفة الدولة التي فرضت العقوبات أو الدولة المستهدفة بها لتحديد الرابحين والخاسرين. الأهم هو فهم طبيعة ارتباط كل شركة بسلاسل التوريد، ومدى اعتمادها على الأسواق الخارجية، وقدرتها على نقل الإنتاج أو توفير بدائل محلية.
وهنا تبرز أهمية استخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل تصريحات الشركات؛ إذ يمكن لهذه الأدوات أن تلتقط إشارات مبكرة لا تظهر بوضوح في البيانات المالية التقليدية، مثل اتجاه الشركات إلى تغيير مورديها أو زيادة الإنفاق على التكنولوجيا المحلية أو نقل مصانعها إلى أسواق بديلة.
الخلاصة أن الحرب الاقتصادية لا تترك آثارها على الطرفين المتصارعين وحدهما، بل تعيد توزيع الفرص والخسائر على خريطة الاقتصاد العالمي بأكملها. وقد تكون الشركة الأكثر استفادة ليست بالضرورة في الدولة التي فرضت العقوبات أو تلك التي تعرضت لها، بل في دولة ثالثة استطاعت استغلال الفراغ، أو شركة محلية نجحت في بناء بديل، أو مستثمر تمكن من قراءة التحول قبل أن يظهر بوضوح في أسعار الأسهم.
