البنك المركزي الأوروبي
البنك المركزي الأوروبي يرفض تخفيف متطلبات رأس المال للمصارف.. ويتمسك بقواعد ما بعد 2008
رفض البنك المركزي الأوروبي التوجه نحو تخفيف متطلبات رأس المال الأساسية المفروضة على المصارف الأوروبية، مؤكدًا ضرورة الحفاظ على الضوابط الرقابية التي جرى إقرارها عقب الأزمة المالية العالمية عام 2008، رغم المطالب المتزايدة من جانب البنوك بتقليص الأعباء التنظيمية وتعزيز قدرتها على المنافسة وزيادة التمويل الموجه للاقتصاد.
وقال بيدرو ماتشادو، المسؤول عن الإشراف المصرفي بالبنك المركزي الأوروبي، إن تبسيط القواعد المنظمة للقطاع المصرفي لا ينبغي أن يأتي على حساب متانة البنوك أو يؤدي إلى إضعاف الضمانات الرقابية المرتبطة برأس المال، مشددًا على أهمية الإبقاء على المعايير التي تساعد المؤسسات المالية على مواجهة المخاطر وامتصاص الخسائر المحتملة.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تتصاعد فيه المناقشات الأوروبية بشأن مراجعة القواعد المصرفية وتخفيف الأعباء الإدارية والرقابية، وسط مطالب من مؤسسات مصرفية بتعديل بعض المتطلبات التي ترى أنها تحد من قدرتها على منافسة البنوك الأمريكية وتوسيع عمليات الإقراض.
البنك المركزي الأوروبي يتمسك بمتطلبات رأس المال للمصارف
أكد ماتشادو أن المصارف الأوروبية لا ينبغي أن تتوقع تخفيف الضوابط الأساسية لرأس المال ضمن جهود تبسيط التشريعات المصرفية، موضحًا أن هذه المتطلبات تمثل أحد أهم أدوات حماية النظام المالي من المخاطر التي قد تنتج عن التوسع في أنشطة الإقراض أو سوء تقدير حجم المخاطر.
وأوضح المسؤول الأوروبي أن القواعد التي فُرضت بعد الأزمة المالية العالمية لا تستهدف زيادة الأعباء على البنوك بصورة غير مبررة، وإنما تهدف إلى ضمان امتلاك المؤسسات المصرفية مستويات كافية من رأس المال تمكنها من تحمل الخسائر دون نقل الأعباء إلى دافعي الضرائب أو تعريض الاستقرار المالي للخطر.
وأشار إلى أن المطالب بخفض متطلبات رأس المال تستند بصورة أساسية إلى اعتقاد بعض البنوك بأن تقليص هذه المتطلبات قد يتيح توجيه مزيد من الأموال إلى الإقراض والأنشطة الاقتصادية، إلى جانب تحسين القدرة التنافسية للمصارف الأوروبية أمام نظيراتها في الولايات المتحدة.
لكن ماتشادو أشار إلى أن الدراسات المتاحة لا تقدم أدلة كافية على أن خفض متطلبات رأس المال سيؤدي إلى تحقيق مكاسب اقتصادية ملموسة، كما شكك في الادعاءات التي تفيد بأن البنوك الأمريكية الكبرى تعمل في ظل نظام رقابي أقل صرامة بصورة جوهرية.
ما قاعدة الحد الأدنى للمخرجات التي يدافع عنها المركزي الأوروبي؟
ومن أبرز النقاط التي شدد عليها المسؤول الأوروبي ضرورة الحفاظ على قاعدة «الحد الأدنى للمخرجات» (Output Floor)، وهي إحدى القواعد التنظيمية التي تحد من مدى قدرة البنوك على خفض متطلبات رأس المال من خلال الاعتماد على نماذجها الداخلية لتقييم المخاطر.
وتكتسب هذه القاعدة أهمية خاصة لأنها تضع حدًا أدنى لمتطلبات رأس المال المحسوبة وفق الأساليب الداخلية للمصارف، مقارنة بالمتطلبات الناتجة عن المنهجيات المعيارية، بما يقلل احتمالات التقليل من حجم المخاطر التي تتحملها المؤسسات المالية.
ويرى البنك المركزي الأوروبي أن الإبقاء على هذه القاعدة يمثل ضمانة رقابية مهمة، خصوصًا في ظل اختلاف النماذج الداخلية المستخدمة بين البنوك، وما قد يترتب على ذلك من تفاوت في تقدير المخاطر ومتطلبات رأس المال.
وشدد ماتشادو على ضرورة الحفاظ على معايير رأسمالية قوية، والإبقاء على دور قاعدة الحد الأدنى للمخرجات باعتبارها ضمانة أمام النماذج الداخلية، إلى جانب مواصلة معالجة تكاليف تسوية أوضاع البنوك المتعثرة، بما يمنع تحميل دافعي الضرائب تكلفة المخاطر الناتجة عن توسع المؤسسات المصرفية.
البنوك الأوروبية تطالب بتخفيف القيود لتعزيز المنافسة والإقراض
في المقابل، كثفت مؤسسات مصرفية أوروبية ضغوطها من أجل تخفيف بعض القواعد التنظيمية، معتبرة أن المتطلبات الحالية تضعها في موقف تنافسي أقل ملاءمة مقارنة بالمصارف الأمريكية، وأن تعديلها قد يتيح تحرير موارد مالية إضافية يمكن استخدامها في تمويل الشركات والأفراد.
وتدور المناقشات حول مدى تأثير متطلبات رأس المال على قدرة البنوك على زيادة الإقراض، وما إذا كان تخفيف هذه الضوابط يمكن أن يسهم في دعم النشاط الاقتصادي وتحسين تنافسية القطاع المصرفي الأوروبي.
غير أن موقف ماتشادو يعكس تمسك البنك المركزي الأوروبي بالفصل بين تبسيط الإجراءات التنظيمية وبين تقليص مستويات الحماية المالية؛ فخفض الأعباء الإدارية لا يعني بالضرورة تخفيف المعايير الاحترازية التي تضمن قدرة المصارف على مواجهة الصدمات.
كما أثار المسؤول الأوروبي تساؤلات بشأن المقارنات التي تطرحها بعض المؤسسات المصرفية بين القواعد الأوروبية والأمريكية، مشيرًا إلى أن الادعاء بتمتع أكبر البنوك الأمريكية بمتطلبات رأسمالية أقل صرامة يحتاج إلى مراجعة دقيقة.
تسهيلات تنظيمية للبنوك الصغيرة دون المساس بمعايير الرقابة
ورغم رفض تخفيف متطلبات رأس المال الأساسية، أبدى البنك المركزي الأوروبي دعمًا لتقديم تسهيلات تنظيمية محددة للمصارف الأصغر حجمًا، بهدف تقليل الأعباء المرتبطة بإعداد التقارير ومتطلبات الإشراف والرقابة.
وتستهدف هذه التسهيلات مراعاة الاختلاف بين أحجام المؤسسات المصرفية وطبيعة أنشطتها، بحيث لا تتحمل البنوك الصغيرة الأعباء الإدارية نفسها المفروضة على المؤسسات الكبرى، مع استمرار الالتزام بالمعايير الاحترازية اللازمة لحماية النظام المالي.
ويعكس هذا التوجه محاولة لتحقيق التوازن بين تبسيط القواعد المصرفية وتحسين كفاءة عمل البنوك من جهة، والحفاظ على مستويات كافية من رأس المال والقدرة على مواجهة المخاطر من جهة أخرى.
مستقبل متطلبات رأس المال في القطاع المصرفي الأوروبي
تسلط تصريحات المسؤول الأوروبي الضوء على استمرار الخلاف بشأن مستقبل تنظيم القطاع المصرفي في أوروبا، بين مؤسسات تطالب بتقليص القيود لتعزيز الإقراض والمنافسة، وجهات رقابية ترى أن الحفاظ على متطلبات رأس المال يمثل عنصرًا أساسيًا لضمان الاستقرار المالي.
وتشير هذه المناقشات إلى أن مسار الإصلاح المصرفي الأوروبي قد يركز على تبسيط الإجراءات وتقليل الأعباء الإدارية، مع الإبقاء على الضمانات الأساسية التي أُقرت بعد الأزمة المالية العالمية.
وبذلك، لا يتجه موقف البنك المركزي الأوروبي إلى رفض الإصلاح التنظيمي بصورة عامة، وإنما يميز بين التسهيلات التي تقلل التعقيدات الإدارية دون التأثير على سلامة المصارف، وبين تخفيض متطلبات رأس المال التي قد تضعف قدرة القطاع المصرفي على مواجهة المخاطر المستقبلية.


