الإنفاق الدفاعي يعيد رسم خريطة الاستثمار العالمي.. المستفيدون الجدد من تحولات الصناعة والأسواق
تشهد خريطة الاستثمار العالمي تحولات متزايدة مع عودة قطاع الدفاع إلى صدارة أولويات الحكومات، في توجه لا يقتصر تأثيره على الصناعات العسكرية، بل يمتد إلى التصنيع المتقدم وتكنولوجيا الطاقة والبنية التحتية والأمن السيبراني، بما يعيد توجيه تدفقات رؤوس الأموال ويفتح مجالات جديدة أمام الشركات والأسواق المالية، وفق ورقة بحثية صادرة عن معهد غولدمان ساكس العالمي.
وترى الورقة أن التحول في أولويات الإنفاق الحكومي يعكس تغيرًا أوسع في الاستراتيجيات الاقتصادية والصناعية للدول، إذ أصبح تعزيز الأمن والقدرات الدفاعية مرتبطًا بتطوير القاعدة الإنتاجية المحلية، وتوسيع الشراكات الدولية، وتقليل الاعتماد على سلاسل التوريد الخارجية.
الإنفاق الدفاعي يدعم قطاعات صناعية جديدة
تشير الورقة البحثية إلى أن عودة الدفاع إلى صدارة الاهتمامات الحكومية تتجاوز مجرد زيادة الموازنات العسكرية، لتشمل استثمارات في قطاعات صناعية وتكنولوجية أخرى، تستفيد من توجه الدول نحو تعزيز أمنها وقدرتها على مواجهة التحديات.
وفي هذا السياق، يتضمن مستهدف الإنفاق الذي حدده حلف شمال الأطلسي «الناتو» عند 5% من الناتج المحلي الإجمالي، تخصيص 1.5% للاستثمارات المرتبطة بحماية البنية التحتية الحيوية، وتأمين الشبكات، وتعزيز القاعدة الصناعية الدفاعية.
ويعكس هذا التوجه اتساع نطاق الإنفاق المرتبط بالأمن، ليشمل مجالات تتجاوز المعدات العسكرية، ويمتد إلى التكنولوجيا والتصنيع المتقدم وتأمين المنشآت والشبكات الحيوية.
الشراكات الدولية تدفع نمو الصناعات الدفاعية
وتلعب الشراكات العابرة للحدود دورًا متزايدًا في توسيع القدرات الإنتاجية للصناعات الدفاعية، من خلال التعاون في تطوير المنتجات والمشروعات المشتركة التي تجمع الخبرات والإمكانات الصناعية للدول المختلفة.
كما تبرز أهمية التعاون بين الشركات الناشئة والمتعاقدين الدفاعيين الكبار، بما يتيح توظيف الابتكار والتكنولوجيا الجديدة داخل الصناعات القائمة، ويوفر فرصًا لتوسيع نطاق الإنتاج وتطوير القدرات المحلية.
وتوضح الورقة أن تعزيز القدرة على الصمود أمام التحديات يدفع الحكومات أيضًا إلى إعادة توطين جزء من التصنيع داخل أسواقها المحلية، وهو ما يظهر في التجربة الألمانية، حيث ذهبت 50% من طلبيات الدفاع منذ عام 2022 إلى شركات ألمانية، بينما استحوذت الشراكات الألمانية الأجنبية على 35% أخرى، وفقًا لوحدة الأبحاث في غولدمان ساكس.
نقل التكنولوجيا وإعادة التصنيع محليًا
لا يعني الاتجاه نحو تعزيز الإنتاج المحلي توقف الدول عن شراء المعدات الأجنبية، بحسب الورقة البحثية، وإنما يعكس تحولًا في طبيعة العلاقات مع الشركاء الدوليين، من خلال إقامة تعاون أعمق يسهل نقل التكنولوجيا ويدعم بناء قدرات صناعية داخلية.
ويمثل هذا التحول فرصة أمام الشركات العاملة في سلاسل الإمداد والصناعات المتقدمة، مع اتجاه الحكومات إلى بناء قواعد إنتاجية أكثر قدرة على تلبية احتياجاتها، وتقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد على مصادر خارجية.
أسهم شركات الدفاع تتحرك مع تغير أولويات الإنفاق
وعلى صعيد الأسواق المالية، شهدت أسهم شركات الدفاع تقلبات خلال الفترة الأخيرة، وسط حالة من عدم اليقين بشأن خطط الإنفاق العسكري في الولايات المتحدة، إلا أن أداء أسواق الأسهم على المدى الطويل اتجه إلى الارتفاع بالتزامن مع زيادة الاستثمارات الدفاعية.
وتشير الورقة إلى أن الشركات الأوروبية العاملة في قطاع الدفاع بدأت تقلص فجوة التقييمات التاريخية بينها وبين نظيراتها الأميركية، في ظل التحولات التي يشهدها القطاع وزيادة الاهتمام بالقدرات الصناعية الدفاعية.
كما تتجه بعض الشركات إلى تنفيذ عمليات اندماج واستحواذ، بهدف توسيع نطاق أعمالها وتعزيز إمكاناتها الإنتاجية والتنافسية، والاستفادة من الفرص التي تتيحها زيادة الإنفاق والاستثمارات المرتبطة بالأمن والدفاع.
وتعكس هذه التحولات، وفق قراءة معهد غولدمان ساكس العالمي، تغيرًا في العلاقة بين الإنفاق الدفاعي والاقتصاد، إذ لم يعد تأثيره محصورًا في الشركات العسكرية، بل أصبح يمتد إلى قطاعات صناعية وتكنولوجية متعددة، مع انعكاسات محتملة على حركة الاستثمارات وتقييمات الأسهم واتجاهات التصنيع العالمي.
