الثلاثاء 29 سبتمبر 2026
رئيس التحرير
عمرو عامر
رئيس التحرير
عمرو عامر
تحليل

السندات الأميركية تحت ضغط المعروض.. المستثمرون يرفعون علاوة المخاطر

الثلاثاء 29/سبتمبر/2026 - 11:32 ص
بانكير

دخلت سوق السندات الأميركية عالية العائد مرحلة مختلفة خلال سبتمبر، بعدما بدأ حجم الإصدارات الجديدة في الضغط على قدرة المستثمرين على استيعاب المعروض، بالتزامن مع ارتفاع عوائد أدوات الدين واتساع فروق العائد التي يطلبها المستثمرون مقابل تحمل مخاطر الائتمان.

وتأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه السوق تدفقًا كبيرًا من الشركات الراغبة في الاقتراض، مستفيدة من وجود طلب لا يزال قائمًا على أدوات الدين ذات العوائد المرتفعة، لكن هذا الطلب يواجه في المقابل اختبارًا مهمًا يتمثل في حجم المعروض وتزايد تكلفة التمويل.

وبحسب أماندا لينام، كبيرة استراتيجيي الائتمان لدى «غولدمان ساكس»، فإن السوق بدأت تظهر فيها ملامح صعوبات في استيعاب الإصدارات الجديدة، على غرار ما شهدته سوق السندات ذات الدرجة الاستثمارية في وقت سابق من الصيف.

وتكمن أهمية هذه الإشارة في أن المشكلة لا تتعلق فقط بحجم الأموال التي تبحث عنها الشركات، وإنما بقدرة المستثمرين على إعادة تسعير المخاطر مع كل إصدار جديد، خصوصًا عندما تتزامن الإصدارات الضخمة مع ارتفاع العوائد وتقلبات أسعار الفائدة.

38.5 مليار دولار خلال سبتمبر

تكشف أرقام السوق عن حجم الطفرة الحالية؛ إذ بلغت إصدارات السندات عالية العائد نحو 38.51 مليار دولار حتى يوم الجمعة، لتصبح إصدارات سبتمبر الأكثر نشاطًا خلال العام الحالي في هذه السوق.

وجاء ذلك مدفوعًا بعدد من الصفقات الكبيرة، من بينها صفقة بقيمة 10 مليارات دولار من «سوفت بنك غروب»، في وقت تستعد فيه «باراماونت سكاي دانس» لطرح تمويل ضخم عبر مزيج من أدوات الدين ذات الدرجة الاستثمارية والسندات عالية العائد.

وتشير هذه الصفقات إلى أن احتياجات الشركات من التمويل لا تزال كبيرة، لكن زيادة حجم الطروحات في فترة زمنية قصيرة تعني أن المستثمرين أصبحوا أمام خيارات أكثر للمفاضلة بينها، وهو ما يمكن أن يدفع الشركات إلى تقديم عوائد أعلى إذا أرادت ضمان نجاح الإصدار.

وهنا تظهر إحدى أهم النقاط في قراءة سوق السندات: نجاح الإصدار لا يعتمد فقط على رغبة الشركة في الاقتراض، بل كذلك على استعداد المستثمرين لقبول السعر الذي تعرضه الشركة مقابل المخاطر.

علاوة المخاطر ترتفع إلى أعلى مستوى منذ أبريل

ارتفع متوسط العائد الإضافي الذي يطلبه المستثمرون لحيازة السندات الأميركية عالية المخاطر مقارنة بسندات الخزانة بمقدار 12 نقطة أساس، ليصل إلى 294 نقطة أساس عند إغلاق تعاملات الجمعة.

ويمثل هذا المستوى أعلى قراءة منذ أبريل، وفق بيانات مؤشرات «بلومبرغ»، بما يعكس زيادة التعويض الذي يطلبه المستثمرون مقابل الاحتفاظ بأدوات دين تحمل مخاطر ائتمانية أعلى من سندات الحكومة الأميركية.

وتصبح قراءة فروق العائد أكثر أهمية عند النظر إلى الفئة الأدنى تصنيفًا؛ إذ بلغ متوسط فروق العائد على السندات المصنفة ضمن فئة «CCC» نحو 968 نقطة أساس، وهو أعلى مستوى منذ نوفمبر 2023.

ولا يعني اتساع فروق العائد بالضرورة حدوث أزمة في السوق، لكنه يعكس تغيرًا في تسعير المخاطر. فكلما اتسع الفارق بين عائد سندات الشركات وعائد سندات الخزانة، أصبحت تكلفة الاقتراض بالنسبة للشركات أعلى، أو أصبح المستثمر أكثر طلبًا للعائد مقابل المخاطرة التي يتحملها.

لماذا أصبحت العوائد المرتفعة سلاحًا ذا حدين؟

المفارقة في سوق السندات أن ارتفاع العوائد يمكن أن يمثل عامل جذب للمستثمرين وفي الوقت نفسه مصدر ضغط على السوق.

فالمستثمر الذي يبحث عن دخل أعلى يجد في السندات عالية العائد فرصة للحصول على عوائد أكبر مقارنة بالأدوات الحكومية الأقل مخاطرة. لكن ارتفاع العوائد يعني أيضًا ارتفاع تكلفة الاقتراض بالنسبة للشركات، كما قد يعكس زيادة المخاوف بشأن قدرتها المستقبلية على خدمة الديون.

وهذا هو التوازن الذي تراقبه المؤسسات المالية حاليًا.

فإذا ظلت أسعار الفائدة والعوائد عند مستويات مرتفعة، فقد يستمر الطلب على السندات طالما أن العائد الإضافي يعوض المستثمرين عن المخاطر. أما إذا ارتفعت التقلبات بدرجة أكبر، فقد يبدأ المستثمرون في تقليص حجم الأموال التي يوجهونها إلى أدوات ائتمان الشركات، خصوصًا في الفئات الأعلى مخاطرة.

وترى «غولدمان ساكس» أن هذا العامل يستحق متابعة دقيقة، باعتبار أن استقرار فروق العائد خلال الفترة الماضية استفاد من استمرار شهية المستثمرين تجاه الائتمان.

صفقة «باراماونت» تكشف حجم التحدي

تأتي صفقة «باراماونت سكاي دانس» في مقدمة الاختبارات التي تواجهها السوق، مع استعداد البنوك للترويج لبيع أدوات دين بمليارات الدولارات لصالح الشركة.

وتشير المعلومات المتاحة إلى أن البنوك تجري اتصالات مع المستثمرين بشأن نحو 32 مليار دولار من أدوات الدين ذات الدرجة الاستثمارية، إلى جانب ما يعادل 12.4 مليار دولار من السندات عالية المخاطر.

وحجم الصفقة يجعلها أكثر من مجرد عملية تمويل لشركة واحدة؛ إذ يمكن أن تصبح مؤشرًا على مدى قدرة السوق على استيعاب الإصدارات الكبيرة في الوقت الذي ترتفع فيه علاوات المخاطر.

ووفق مارك كليغ، كبير متداولي الدخل الثابت في «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس»، فإن أهمية الصفقة ترتبط كذلك بتأثير حجمها على إعادة تسعير مخاطر فروق العائد في السوق الأوسع.

وفي المقابل، قد يؤدي نجاح الصفقة في جذب المستثمرين إلى منح الشركات الأخرى مساحة أكبر للعودة إلى السوق، خاصة الجهات التي أجلت خطط إصدار الديون في انتظار ظروف تمويل أكثر ملاءمة.

«سبيس إكس» و«أوراكل» تحت عدسة السوق

لم تقتصر تحركات فروق العائد على الإصدارات الجديدة، بل امتدت إلى سندات شركات قائمة بالفعل.

واتسع فرق العائد على سندات «سبيس إكس» ذات الفائدة البالغة 5.65% والمستحقة في 2033 بنحو 36 نقطة أساس إلى 177 نقطة أساس، وفق بيانات «تريس».

كما اتسع فرق العائد على سندات «أوراكل» ذات الفائدة البالغة 2.95% والمستحقة في 2030 بنحو 15 نقطة أساس إلى 160 نقطة أساس.

وتوضح هذه التحركات أن السوق لا تنظر فقط إلى حجم الإصدارات الجديدة، وإنما تعيد تقييم المخاطر عبر مجموعة واسعة من أدوات الدين القائمة، وهو ما يجعل اتساع فروق العائد مؤشرًا مهمًا عند قراءة اتجاهات سوق السندات.

السندات الاستثمارية تشعر بالضغط

الضغوط لم تقتصر على السندات عالية العائد، إذ اتسع متوسط فروق عوائد السندات الأميركية ذات الدرجة الاستثمارية بمقدار 3 نقاط أساس إلى 80 نقطة أساس.

وتقترب هذه القراءة من مستوى 85 نقطة أساس الذي توقعته «غولدمان ساكس» للربع الثالث.

ويشير ذلك إلى أن إعادة تسعير المخاطر بدأت تمتد إلى شرائح مختلفة من سوق الائتمان، وإن كانت درجة المخاطر تختلف بصورة كبيرة بين السندات الاستثمارية والسندات عالية العائد.

والفارق هنا مهم؛ فالسندات الاستثمارية تصدرها شركات ذات تصنيفات ائتمانية أعلى عادة، بينما تضم سوق العائد المرتفع جهات ذات تصنيفات أدنى، وبالتالي تكون حساسية الأخيرة لتغيرات شهية المستثمرين وأسعار الفائدة أكبر.

600 مليار دولار مرتبطة بالذكاء الاصطناعي

تضيف طفرة تمويل الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي طبقة أخرى إلى الصورة.

فقد أحصى «غولدمان ساكس» نحو 600 مليار دولار من المعروض المرتبط بمبادرات الذكاء الاصطناعي عبر أسواق الدين منذ بداية العام، وهو حجم يعكس مدى اتساع احتياجات التمويل المرتبطة بالبنية التحتية الرقمية ومراكز البيانات والحوسبة السحابية وغيرها من الاستثمارات.

لكن اللافت أن شركات الحوسبة السحابية العملاقة تمثل نحو 40% فقط من هذا الرقم، بحسب لينام، ما يعني أن موجة الاقتراض المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تمتد إلى نطاق أوسع من الشركات والقطاعات.

وهذه النقطة مهمة لسوق السندات، لأن استمرار تمويل الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي يعني استمرار حاجة الشركات إلى أسواق الدين، في الوقت الذي يحاول فيه المستثمرون تقييم حجم العائد الذي يحصلون عليه مقابل المخاطر المرتبطة بهذه الاستثمارات.

هل وصلت السوق إلى ذروة المعروض؟

تعتقد استراتيجية «غولدمان ساكس» أن السوق ربما تكون قد تجاوزت ذروة المعروض المرتبط بالذكاء الاصطناعي خلال 2026، بعدما بدأت تظهر بعض علامات صعوبة الاستيعاب والإرهاق لدى المستثمرين.

لكن التقدير نفسه يشير إلى احتمال تسارع هذه الإصدارات خلال 2027، ما يعني أن الضغوط الحالية قد لا تكون مجرد ظاهرة مرتبطة بشهر واحد أو موسم واحد من إصدارات السندات.

ويظل العامل الحاسم هو العلاقة بين ثلاثة متغيرات: حجم المعروض الجديد، ومستوى العوائد، وشهية المستثمرين للمخاطر.

فإذا استمر الطلب قويًا، يمكن للسوق استيعاب إصدارات كبيرة حتى مع ارتفاع حجم التمويل. أما إذا تزامن ارتفاع المعروض مع زيادة التقلبات وتراجع الرغبة في المخاطرة، فقد تضطر الشركات إلى تقديم عوائد أكبر لجذب المستثمرين.

المعادلة الجديدة في سوق السندات

تكشف التطورات الحالية أن سوق السندات الأميركية لا تواجه بالضرورة مشكلة في نقص السيولة أو غياب المستثمرين، وإنما تواجه اختبارًا يتعلق بسعر المخاطر وقدرة السوق على استيعاب حجم متزايد من التمويل.

فالإصدارات القياسية تعني أن الشركات ما زالت قادرة على الوصول إلى أسواق الدين، لكن اتساع فروق العائد يشير في الوقت نفسه إلى أن المستثمرين أصبحوا أكثر انتقائية في تقييم المقابل الذي يحصلون عليه.

ومع اقتراب نهاية العام، ستصبح الصفقات الضخمة، وتحركات أسعار الفائدة، وتدفقات التمويل المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، عوامل رئيسية في تحديد اتجاه سوق الائتمان.

وبالتالي، فإن الرقم الأهم في المرحلة المقبلة لن يكون فقط حجم إصدارات السندات، وإنما مدى قدرة السوق على استيعاب هذا المعروض دون أن يؤدي ذلك إلى قفزة أكبر في علاوات المخاطر وتكلفة الاقتراض على الشركات.

فالاختبار الحقيقي أمام السوق يتمثل في استمرار التوازن بين شهية المستثمرين من جهة، واحتياجات الشركات التمويلية المتزايدة من جهة أخرى، خصوصًا مع دخول قطاعات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي بقوة إلى سوق الدين الأميركية.