بنك إنجلترا يوقف بيع السندات طويلة الأجل لتقليص الخسائر
يعتزم بنك إنجلترا وقف بيع السندات الحكومية البريطانية ذات آجال 20 و30 عامًا، ضمن خطة لإعادة هيكلة برنامج خفض حيازاته من السندات، في وقت تواجه فيه أسواق الدين العالمية موجة بيع قوية أدت إلى ارتفاع تكاليف الاقتراض الحكومي.
وبحسب ما أوردته صحيفة «تلجراف»، من المتوقع الإعلان عن الخطة الخميس بالتزامن مع قرار لجنة السياسة النقدية بشأن أسعار الفائدة، في خطوة تعكس محاولة البنك المركزي البريطاني الحد من الخسائر الناتجة عن بيع السندات طويلة الأجل، التي تراجعت أسعارها بقوة خلال السنوات الأخيرة مع ارتفاع عوائدها.
وبموجب الخطة المقترحة، سيواصل بنك إنجلترا تقليص حيازاته من السندات الحكومية ضمن برنامج «التشديد الكمي»، لكن عمليات البيع ستستبعد الديون طويلة الأجل التي سجلت أكبر الخسائر.
خسائر بمليارات الجنيهات
تأتي إعادة النظر في برنامج بيع السندات بعدما واجه البنك خسائر كبيرة نتيجة بيع سندات اشتراها عندما كانت أسعارها مرتفعة، ثم أعاد طرحها في السوق بأسعار أقل بعد ارتفاع عوائد السندات.
وكان البنك قد كوّن محفظة ضخمة من السندات الحكومية ضمن برنامج «التيسير الكمي» الذي بدأ عام 2009 بهدف دعم الاقتصاد، قبل أن يبدأ لاحقًا في تقليص هذه الحيازات من خلال برنامج «التشديد الكمي» مع اتجاه السياسة النقدية نحو التطبيع.
وبلغت محفظة السندات التي جمعها البنك نحو 895 مليار جنيه إسترليني في ذروتها، قبل أن تتراجع إلى نحو 490 مليار جنيه وفقًا للتقرير، فيما تمثل السندات طويلة الأجل، التي تتجاوز آجال استحقاقها 20 عامًا، نحو 150 مليار جنيه من الحيازة الحالية.
وأظهرت بيانات بنك إنجلترا أن رصيد السندات المحتفظ بها لأغراض السياسة النقدية بلغ 521.8 مليار جنيه إسترليني بنهاية يونيو 2026، بعدما واصل البنك تقليص محفظته عبر الاستحقاقات والمبيعات.
وتشير تقديرات محللين في «دويتشه بنك» إلى أن البنك يبيع السندات طويلة الأجل بخصم متوسط يقارب 50%، بينما قدر مكتب مسؤولية الميزانية البريطاني أن تكلفة إنهاء محفظة السندات قد تصل إلى نحو 100 مليار جنيه خلال السنوات الخمس المقبلة.
وقف المبيعات قد يوفر 2.5 مليار جنيه سنويًا
ومن شأن وقف بيع السندات طويلة الأجل التي يتكبد البنك خسائر كبيرة عند التخلص منها أن يوفر للخزانة البريطانية نحو 2.5 مليار جنيه سنويًا بحلول نهاية العقد، مقارنة باستمرار وتيرة المبيعات الحالية، وفق التقديرات الواردة في التقرير.
لكن وقف المبيعات لا يعني بالضرورة انخفاض التكلفة المالية للحكومة بصورة مباشرة، إذ سيؤدي إلى احتفاظ بنك إنجلترا بمستويات أعلى من الاحتياطيات التي يتعين عليه دفع فوائد عليها.
وهنا تظهر معادلة صعبة أمام البنك المركزي؛ فمن ناحية، يؤدي وقف بيع السندات طويلة الأجل إلى الحد من الخسائر الناتجة عن بيعها بأسعار منخفضة، ومن ناحية أخرى، قد يفرض الاحتفاظ بمستويات أعلى من الاحتياطيات تكلفة فائدة لفترة أطول.
وبحسب الخطة المقترحة، ستستمر عمليات بيع السندات بنحو 20 مليار جنيه إسترليني خلال العام المقبل، لكن مع استبعاد الديون طويلة الأجل التي تكبد البنك أكبر خسائر.
كما تتضمن الخطة تغيير طريقة التخلص من بعض السندات، بحيث يبيع البنك السندات قصيرة ومتوسطة الأجل التي يحتفظ بها مباشرة إلى مكتب إدارة الدين التابع لوزارة الخزانة، بدلًا من طرحها مباشرة على المستثمرين.
أسواق السندات تزيد الضغط على بريطانيا
وتأتي إعادة هيكلة برنامج «التشديد الكمي» في وقت تشهد فيه أسواق السندات العالمية اضطرابات حادة وارتفاعًا في عوائد الديون الحكومية، الأمر الذي يزيد تكلفة الاقتراض على الحكومات.
وسجلت بريطانيا الأسبوع الماضي أعلى تكلفة اقتراض لها منذ أكثر من 25 عامًا، وسط مخاوف بشأن استمرار التضخم وقدرة الحكومة على السيطرة على مستويات الدين العام.
كما ارتفعت تكلفة الاقتراض الأميركية، مع وصول عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات إلى 5% للمرة الأولى منذ عام 2023، في إشارة إلى اتساع الضغوط في أسواق الدين العالمية.
وتزيد هذه التطورات من الضغوط على وزير الخزانة البريطاني جون هيلي قبل تقديم أول موازنة له في 28 أكتوبر، في ظل ارتفاع تكاليف الاقتراض والحاجة إلى الالتزام بالقواعد المالية للحكومة.
التضخم والنفط يربكان حسابات الفائدة
وتزداد حساسية قرار بنك إنجلترا مع استمرار المخاوف من تأثير ارتفاع أسعار النفط على التضخم البريطاني، بعدما أدت الحرب في إيران والاضطرابات في الشرق الأوسط إلى ارتفاع أسعار الطاقة.
وكان بنك إنجلترا قد أبقى سعر الفائدة عند 3.75% في اجتماعه الأخير في يوليو، بأغلبية 6 أصوات مقابل 3، بينما تتجه الأنظار إلى اجتماع 17 سبتمبر المقبل.
وتشير توقعات الأسواق إلى احتمال ارتفاع أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة إذا استمرت الضغوط التضخمية، وهو ما يجعل تكلفة الاحتفاظ بالاحتياطيات وتوقيت بيع السندات من الملفات شديدة الحساسية أمام البنك المركزي.
ويُعد بنك إنجلترا واحدًا من البنوك المركزية الكبرى التي تواصل بيع السندات مباشرة في السوق، ضمن مسار عكس إجراءات التيسير الكمي التي اتخذتها البنوك المركزية بعد الأزمة المالية العالمية وجائحة كورونا.
وكان البنك قد حدد هدفًا لخفض حيازاته من السندات بقيمة 70 مليار جنيه إسترليني خلال الفترة حتى سبتمبر 2026، عبر مزيج من الاستحقاقات والمبيعات.
وتضع الخطة الجديدة البنك أمام معادلة دقيقة: كيف يقلص ميزانيته ويواصل تطبيع السياسة النقدية، من دون تكبيد نفسه مزيدًا من الخسائر الكبيرة؟ وهي معادلة تزداد صعوبة في ظل ارتفاع عوائد السندات عالميًا، وتزايد تكلفة الاقتراض، واستمرار المخاطر المرتبطة بالتضخم وأسعار الطاقة.
