تحركات مصرية لتأمين القمح.. مناشئ بديلة لمواجهة اضطرابات الإمدادات الروسية
تتحرك مصر لتأمين احتياجاتها من القمح وتنويع مصادر الاستيراد، في ظل اضطرابات تواجه صادرات الحبوب الروسية بسبب الهجمات الأوكرانية التي طالت مراكز تخزين وموانئ رئيسية على البحر الأسود خلال شهري يوليو وأغسطس.
وأدت الاضطرابات إلى تراجع الكميات المستوردة وارتفاع أسعار القمح وتكاليف الشحن والتأمين، فيما تدرس الحكومة المصرية فتح مناشئ جديدة للقمح بهدف تقليل مخاطر الاعتماد على منطقة واحدة وتأمين الإمدادات اللازمة للسوق المحلية.
وبحسب معلومات نقلتها «الشرق بلومبرغ» عن ثلاثة مصادر، بينهم مسؤولون حكوميون، فإن التحركات المصرية تأتي بالتزامن مع متابعة تطورات سوق الحبوب العالمية والاضطرابات التي تشهدها منطقة البحر الأسود.
هجمات على موانئ تصدير القمح الروسي
في منتصف أغسطس، علقت محطتان من أكبر محطات تصدير الحبوب في ميناء نوفوروسيسك الروسي عملياتهما مؤقتًا، بعد تعرضهما لأضرار جراء هجمات بطائرات مسيّرة أوكرانية خلال ساعات الليل.
وتعد روسيا أكبر مصدر للقمح عالميًا، وتعتمد نسبة كبيرة من صادراتها على الموانئ المطلة على البحر الأسود، ما يجعل أي اضطرابات في المنطقة مؤثرة بصورة مباشرة في حركة التجارة العالمية وأسعار الشحن والتأمين.
مصر رفعت مشترياتها تحسبًا للاضطرابات
اتخذت الحكومة المصرية إجراءات استباقية لتأمين احتياجات البلاد من القمح، من خلال تعزيز المخزون الاستراتيجي وزيادة المشتريات قبل تصاعد التوترات.
وبحسب مسؤولين حكوميين، استوردت مصر نحو مليوني طن من القمح خلال الفترة من فبراير إلى مايو الماضيين، في إطار التحوط من أي اضطرابات محتملة في أسواق الحبوب العالمية.
وقال مسؤول حكومي: إن آخر شحنة قمح مرتبطة بالهيئة العامة للسلع التموينية وصلت إلى مصر خلال يونيو الماضي.
روسيا تتصدر قائمة موردي القمح إلى مصر
تعتمد مصر حاليًا 22 منشأً لاستيراد القمح، وتأتي روسيا في مقدمة الموردين للسوق المصرية، تليها أوكرانيا ورومانيا وفرنسا وبلغاريا والولايات المتحدة والأرجنتين وأستراليا والهند.
وكانت القاهرة تعتزم فتح المنشأ التركي أمام واردات القمح قبل عامين، إلا أن المباحثات الخاصة بهذا الملف توقفت.
أما القطاع الخاص، فما زال يعتمد بصورة أساسية على القمح الروسي والأوكراني، رغم تراجع وارداته خلال الفترة الأخيرة عن المستويات المعتادة.
تراجع واردات القطاع الخاص من القمح
تراجعت واردات القطاع الخاص من القمح بنحو 41% خلال الفترة الممتدة من يوليو وحتى منتصف أغسطس 2026.
وبحسب وثيقة حصلت عليها «الشرق بلومبرغ»، بلغت واردات القطاع الخاص خلال هذه الفترة نحو 804 آلاف طن، مقارنة بنحو 1.36 مليون طن خلال الفترة نفسها من عام 2025.
ويأتي ذلك بعد ارتفاع إجمالي واردات مصر من القمح بنحو 48% خلال النصف الأول من العام الجاري، لتصل إلى نحو 7.7 مليون طن، وفق وثيقة رسمية سابقة.
وجاءت زيادة المشتريات الحكومية في إطار العمل على تعزيز المخزون الاستراتيجي من الحبوب، في ظل التوترات الجيوسياسية التي شهدتها المنطقة.
زيمبابوي على خريطة مناشئ القمح الجديدة
تدرس مصر فتح زيمبابوي كمنشأ جديد لاستيراد القمح، وتجري الجهات المعنية حاليًا دراسة المخاطر والإجراءات المطلوبة قبل اعتمادها ضمن مصادر الاستيراد.
وتستهدف هذه الخطوة تنويع مناشئ القمح وتقليل مخاطر الاعتماد على منطقة جغرافية واحدة، خصوصًا مع استمرار التوترات التي تؤثر في حركة التجارة عبر البحر الأسود.
ويرجح مسؤول حكومي أن يبدأ تأثير اضطرابات البحر الأسود في التراجع تدريجيًا مع دخول مواسم المناشئ البديلة، وعلى رأسها رومانيا وفرنسا.
ومن المتوقع ظهور شحنات القمح من المنشأين الروماني والفرنسي بداية من النصف الثاني من سبتمبر وأكتوبر، بالتزامن مع بدء الموسم الجديد.
مخزون مصر من القمح يكفي عدة أشهر
أكد مسؤول حكومي أن مصر تعد من أقل الدول تأثرًا في الوقت الحالي باضطرابات البحر الأسود فيما يتعلق باحتياجات منظومة القمح التموينية.
وأشار إلى أن المخزون الاستراتيجي الموجود على الأرض يصل إلى نحو 5.5 مليون طن، بما يغطي احتياجات منظومة التموين حتى منتصف مارس المقبل تقريبًا.
كما رفعت وزارة التموين رصيد القمح الاستراتيجي ليغطي احتياجات البلاد لنحو 9 أشهر، وهو ما يوفر هامشًا من الأمان في مواجهة أي اضطرابات مؤقتة في الأسواق العالمية.
الإنتاج المحلي يدعم منظومة الأمن الغذائي
بالتوازي مع تأمين احتياجات مصر من الواردات، توسعت الدولة في زراعة القمح محليًا.
وزُرع نحو 3.76 مليون فدان خلال موسم 2025-2026، فيما استلمت الحكومة أكثر من 4.7 مليون طن من القمح بنهاية الموسم الذي انتهى في 15 أغسطس، ليصل إجمالي الكميات إلى نحو 5 ملايين طن بعد إضافة أقماح التقاوي والقمح المستخدم في إنتاج المكرونة، وفق مسؤول بوزارة الزراعة.
وتعادل هذه الكميات نحو نصف المستهدف من إنتاج القمح المحلي خلال العام الجاري.
ويبدأ موسم زراعة القمح في مصر من منتصف نوفمبر وحتى نهاية يناير، بينما تمتد فترة الحصاد من منتصف أبريل إلى منتصف أغسطس.
ارتفاع أسعار القمح والشحن والتأمين
قال هشام سليمان، مدير شركة «ميدترنين ستار» للتجارة واستيراد الحبوب: إن كميات القمح الواردة إلى مصر تراجعت، بالتزامن مع ارتفاع الأسعار من نحو 245 دولارًا إلى 300 دولار للطن، بزيادة تقارب 22.4%.
وأوضح أن ارتفاع الأسعار تزامن مع زيادة تكاليف النوالين والتأمين، فضلًا عن عزوف بعض ملاك السفن عن التوجه إلى منطقة البحر الأسود بسبب المخاطر الأمنية.
وأضاف أن بعض السفن تعرضت لهجمات أثناء توجهها لتحميل شحنات مخصصة لمصر، ما دفع المستوردين إلى الاتفاق مع الموردين على اعتبار العقد ساريًا بعد عبور السفينة مضيق البوسفور، وليس قبل ذلك.
توقعات إنتاج القمح في مصر خلال 2026
بحسب بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو» التي أوردها المركز الإعلامي لمجلس الوزراء، ارتفع إنتاج مصر من القمح إلى نحو 10.2 مليون طن خلال عام 2026، بزيادة تقارب 7% مقارنة بمتوسط الإنتاج، مقابل 9.4 مليون طن في عام 2025.
وتزامن نمو الإنتاج المحلي مع انخفاض تقديرات واردات مصر من القمح إلى نحو 12.5 مليون طن خلال 2026، مقارنة بنحو 13.2 مليون طن في العام السابق.
وتعكس هذه التطورات استمرار مصر في التحرك على أكثر من محور لتأمين احتياجاتها من القمح، عبر زيادة المخزون الاستراتيجي، ودعم الإنتاج المحلي، وتنويع مصادر الاستيراد، بما يقلل تأثير أي اضطرابات مفاجئة في الأسواق العالمية أو طرق التجارة الرئيسية.
