الصين تراهن على مصر.. شراكة تتجاوز التجارة إلى التصنيع والتكنولوجيا
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، تبرز مصر كإحدى الوجهات المهمة أمام الاستثمارات الصينية الباحثة عن أسواق جديدة ومراكز إنتاج قادرة على خدمة مناطق واسعة. وتأتي الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر في توقيت يحمل فرصًا اقتصادية كبيرة، خاصة مع تصاعد المنافسة بين بكين وواشنطن وتزايد القيود المفروضة على الشركات والمنتجات الصينية في عدد من الأسواق الغربية.
ولا تقتصر أهمية العلاقات المصرية الصينية على التبادل التجاري، إذ تتجه الأنظار حاليًا إلى إمكانية الانتقال إلى مرحلة أكثر عمقًا تقوم على التصنيع المشترك وتوطين التكنولوجيا وزيادة الصادرات المصرية، بما يخدم مصالح البلدين ويدعم موقع مصر كمركز إقليمي للتجارة والصناعة.
مصر منصة صناعية للصين في أفريقيا والمنطقة
قال الدكتور عبدالمنعم السيد، مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، إن العلاقات المصرية الصينية تحولت خلال السنوات الماضية إلى شراكة استراتيجية شاملة، وتمتلك حاليًا قاعدة اقتصادية قوية يمكن البناء عليها.
وأوضح أن حجم التبادل التجاري بين البلدين ارتفع إلى نحو 20.78 مليار دولار بنهاية عام 2025، مقابل 17.37 مليار دولار في 2024، بنمو يقارب 19.6%، وهو ما يعكس تنامي أهمية السوق المصرية بالنسبة للصين.
وتتمتع مصر بمزايا تجعلها جذابة للاستثمارات الصينية، أبرزها السوق المحلية الكبيرة، والموقع الجغرافي، وقناة السويس، إلى جانب الموانئ والبنية التحتية والاتفاقيات التجارية التي تتيح الوصول إلى أسواق عربية وأفريقية وأوروبية.
ويرى السيد أن مصر يجب ألا تقدم نفسها للصين كسوق استهلاكية فقط، بل كمنصة صناعية ولوجستية لإنتاج السلع وتصديرها إلى الأسواق المحيطة.
«تيدا» نموذج ناجح للتعاون الاقتصادي
يمثل التعاون الاقتصادي والتجاري «تيدا – مصر» داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس أحد أبرز النماذج العملية للشراكة بين البلدين. ووفقًا للدكتور عبدالمنعم السيد، تضم المنطقة أكثر من 200 شركة، باستثمارات تراكمية تجاوزت 4.7 مليار دولار، بينما تخطت المبيعات التراكمية 7.3 مليار دولار، مع توفير أكثر من 10 آلاف فرصة عمل مباشرة.
ويعكس هذا النموذج إمكانية توسيع الاستثمارات الصينية لتشمل تجمعات صناعية متكاملة، بدلًا من الاكتفاء بمشروعات منفردة. كما أصبحت الشركات الصينية شريكًا بارزًا في تنفيذ مشروعات البنية التحتية المصرية، من منطقة الأعمال المركزية بالعاصمة الإدارية الجديدة والبرج الأيقوني، إلى مشروعات النقل والفضاء والأقمار الصناعية.
السيارات والبطاريات والذكاء الاصطناعي على قائمة الفرص
وتتجه الفرص المستقبلية إلى قطاعات أكثر ارتباطًا بالتكنولوجيا والصناعة، من بينها السيارات الكهربائية والبطاريات والإلكترونيات ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي والطاقة الجديدة والمتجددة، فضلًا عن الصناعات الكيماوية والمنسوجات والملابس الجاهزة.
وأكد السيد أن الهدف المصري ينبغي أن يتمثل في جذب استثمارات منتجة تخلق مصانع وفرص عمل، وتخفض فاتورة الاستيراد، وترفع حجم الصادرات وتنقل التكنولوجيا. كما يمكن لمصر الاستفادة من عضويتها في تجمع بريكس لتعزيز التعاون التجاري والاستثماري ودراسة استخدام العملات المحلية في بعض المعاملات.
ويمثل التكامل بين مبادرة الحزام والطريق الصينية ورؤية مصر 2030 فرصة لتعميق التعاون، خاصة أن القاهرة تسعى إلى التحول لمركز إقليمي للصناعة والخدمات اللوجستية والطاقة والتجارة.
وفي النهاية، فإن نجاح الشراكة المصرية الصينية لن يقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة، وإنما بقدرتها على تحويل الاستثمارات إلى إنتاج محلي وصادرات أعلى ونقل حقيقي للتكنولوجيا، بما يعزز مكانة مصر داخل سلاسل الإمداد العالمية.

