الثلاثاء 25 أغسطس 2026
رئيس التحرير
عمرو عامر
رئيس التحرير
عمرو عامر
تحليل

الذكاء الاصطناعي يهدد الوظائف.. قرارات التسريح قد تتحول إلى عبء على الشركات

الثلاثاء 25/أغسطس/2026 - 12:40 م
الذكاء الاصطناعي
الذكاء الاصطناعي

لم تعد موجة تسريح الموظفين المرتبطة بالذكاء الاصطناعي مجرد اتجاه مؤقت في سوق العمل، إذ تتجه شركات عديدة إلى إعادة تقييم حجم العمالة لديها، مع توسع الاعتماد على النماذج الذكية والوكلاء القادرين على تنفيذ عدد متزايد من المهام بصورة آلية. لكن في المقابل، بدأت تظهر تساؤلات حول ما إذا كانت حسابات الشركات لتكلفة الذكاء الاصطناعي والاستغناء عن الموظفين دقيقة على المدى الطويل.

فبينما يتوقع أن يؤدي تطور التكنولوجيا إلى خفض تكلفة بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي، تواجه الصناعة نفسها ضغوطًا متزايدة في أسعار شرائح الذاكرة، ووحدات معالجة الرسومات، والطاقة، إضافة إلى التكلفة الضخمة لتشييد وتشغيل مراكز البيانات.

ارتفاع تكلفة البنية التحتية

أصبحت البنية التحتية واحدة من أكبر التحديات أمام شركات الذكاء الاصطناعي، في ظل الطلب المتزايد على وحدات معالجة الرسومات والقدرات الحاسوبية.

وأفادت تقارير خلال أغسطس 2026 بأن شركة Nvidia أبلغت بعض عملائها بزيادات تتجاوز 15% في أسعار بعض خوادم الذكاء الاصطناعي المقرر تسليمها خلال 2027، بينما يمثل ارتفاع أسعار الذاكرة أحد العوامل الرئيسية وراء زيادة التكاليف.

ولا تتوقف الضغوط عند مكونات الحوسبة، إذ أصبحت الطاقة عنصرًا أساسيًا في اقتصاديات الذكاء الاصطناعي، مع احتياج مراكز البيانات إلى كميات ضخمة من الكهرباء لتشغيل النماذج المتقدمة.

وتشير تقديرات إلى أن قطاع الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة قد يحتاج إلى عشرات الغيغاواطات الإضافية من الطاقة خلال السنوات المقبلة، ما يضيف تكلفة جديدة إلى تشغيل هذه التكنولوجيا.

استثمارات ضخمة في الحوسبة

ويكشف حجم الاستثمارات الجديدة في البنية التحتية عن حجم الأموال المطلوبة لتوسيع قدرات الذكاء الاصطناعي.

وحصلت Anthropic، على سبيل المثال، على أكثر من 300 ميغاواط من القدرة الحاسوبية ضمن صفقة تضمنت أكثر من 220 ألف وحدة معالجة رسومية من Nvidia، إلى جانب اتفاقات أخرى تصل إلى عدة غيغاواطات مع Amazon وGoogle وشركاء آخرين.

وفي الوقت نفسه، تتوقع OpenAI إنفاق نحو 600 مليار دولار على الحوسبة حتى عام 2030، بينما ارتفعت تكلفة تشغيل نماذجها بصورة كبيرة خلال 2025، وانخفض هامشها الإجمالي المعدل من نحو 40% إلى 33%.

وتكشف هذه الأرقام عن مفارقة مهمة؛ فبينما تتحدث الشركات عن الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة لخفض تكاليف العمالة، فإن التكنولوجيا نفسها تحتاج إلى استثمارات ضخمة ومتواصلة حتى تتمكن المؤسسات من استخدامها على نطاق واسع.

انخفاض الأسعار لا يعني انخفاض التكلفة

ولا يعني انخفاض سعر استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي بالضرورة تراجع التكلفة الإجمالية على الشركات.

فقد خفضت OpenAI في يوليو 2026 سعر أحد نماذجها بنسبة وصلت إلى 80%، مستفيدة من تحسن كفاءة الحوسبة واشتداد المنافسة بين مزودي الخدمات.

لكن انخفاض تكلفة العملية الواحدة قد يتزامن مع ارتفاع إجمالي الإنفاق، لأن انخفاض السعر يشجع الشركات والموظفين على زيادة الاستخدام.

فالموظف الذي كان يستخدم نموذجًا للذكاء الاصطناعي عشر مرات يوميًا، قد يعتمد مستقبلًا على وكيل ذكي ينفذ مئات أو آلاف العمليات بصورة آلية. وبالتالي، يمكن أن تنخفض تكلفة كل عملية بينما ترتفع فاتورة الاستخدام الإجمالية.

هل كانت قرارات التسريح متسرعة؟

هذه المعادلة تفتح الباب أمام إعادة النظر في بعض قرارات تسريح الموظفين.

فإذا اعتمدت شركة في قرارها على مقارنة راتب الموظف بتكلفة استخدام الذكاء الاصطناعي في الوقت الحالي فقط، فقد تتجاهل عناصر مهمة مثل تغير أسعار النماذج، وزيادة حجم الاستخدام، وارتفاع تكلفة الطاقة والبنية التحتية، والحاجة إلى نماذج أكثر تطورًا، فضلًا عن تكاليف الأمن السيبراني والامتثال والرقابة البشرية.

لذلك، فإن السؤال الصحيح بالنسبة للشركات لا يجب أن يكون: كم تبلغ تكلفة الموظف اليوم مقارنة بتكلفة الذكاء الاصطناعي اليوم؟

بل يجب أن يكون: ما التكلفة الإجمالية لكل خيار خلال السنوات الخمس أو العشر المقبلة، وتحت سيناريوهات مختلفة للأسعار والاستخدام؟

عودة الموظفين.. سيناريو محتمل

ومن السيناريوهات التي تستحق المتابعة احتمال عودة بعض الموظفين الذين جرى تسريحهم إلى الشركات نفسها لاحقًا، في ظاهرة تعرف باسم Boomerang Hiring أو إعادة توظيف الموظفين السابقين.

ولا يعني ذلك بالضرورة فشل الذكاء الاصطناعي في تحقيق أهدافه، لكنه قد يكشف عن أن بعض الشركات اتخذت قرارات خفض العمالة قبل إعادة تصميم عملياتها بصورة كاملة.

فالاستغناء عن الموظفين لا يعني فقط توفير رواتبهم، بل يترتب عليه تكاليف أخرى، تشمل تعويضات نهاية الخدمة، وفقدان الخبرات المؤسسية، وتكاليف التوظيف من جديد، وإعادة التدريب، فضلًا عن تراجع الإنتاجية خلال فترات الانتقال.

وتشير تقديرات نقلتها Axios إلى أن بعض عمليات التسريح قد تكلف الشركة نحو 1.27 دولار مقابل كل دولار توفره من خفض العمالة عند احتساب بعض التكاليف غير المباشرة.

الذكاء الاصطناعي سيغير سوق العمل

ورغم هذه التحديات، لا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي لن يؤدي إلى فقدان وظائف.

فمن المرجح أن تستبدل التكنولوجيا بعض المهام والوظائف، بينما ستغير طبيعة وظائف أخرى وتخلق وظائف جديدة. لكن التحدي الحقيقي أمام الشركات يتمثل في التعامل مع عملية التحول باعتبارها قرارًا اقتصاديًا طويل الأجل، وليس مجرد مشروع تقني لخفض النفقات.

كما أن المنافسة بين النماذج المغلقة والمفتوحة ستؤثر في مستقبل التكلفة، إذ تمنح النماذج المفتوحة بعض المؤسسات قدرة أكبر على الاستضافة والتخصيص والتحكم في النفقات، بينما توفر النماذج المغلقة خدمات متكاملة قد تكون أكثر سهولة في الاستخدام.

اختبار القرارات قبل تسريح الموظفين

وتحتاج الشركات إلى اختبار قراراتها في أكثر من سيناريو قبل الاستغناء عن العمالة.

فإذا كان مشروع استبدال الموظفين بالذكاء الاصطناعي مربحًا فقط عند أسعار الاستخدام الحالية، فإن القرار يحمل مخاطر مرتفعة. أما إذا ظل المشروع مجديًا حتى مع ارتفاع تكاليف الذكاء الاصطناعي، أو زيادة حجم الاستخدام عدة مرات، أو الاحتفاظ بجزء من العنصر البشري، فإن القرار يصبح أكثر قدرة على الصمود.

وهنا قد يكون التحدي الأكبر أمام مجالس الإدارات خلال السنوات المقبلة هو تحقيق التوازن بين سرعة تبني الذكاء الاصطناعي لمواكبة المنافسين، وبين تجنب قرارات يصعب التراجع عنها قبل فهم اقتصاديات التكنولوجيا على المدى الطويل.

فالذكاء الاصطناعي قد يخفض تكلفة بعض المهام، لكنه في الوقت نفسه يخلق تكاليف جديدة ومتطلبات استثمارية ضخمة. ولذلك، فإن الشركات التي ستنجح لن تكون بالضرورة تلك التي تستغني عن أكبر عدد من الموظفين، وإنما تلك التي تستطيع تحديد المهام التي يمكن أتمتتها، والوظائف التي تحتاج إلى العنصر البشري، والتوقيت المناسب لكل خطوة.