مليارات الدولارات في مهب التوترات.. الحرب تربك تحويلات المغتربين من دول الخليج
ألقت الحرب الإقليمية التي امتدت لأكثر من ثلاثة أشهر بظلالها على أوضاع ملايين العمال المهاجرين في دول الخليج، مهددة أحد أهم مصادر الدخل بالنسبة لعائلاتهم في البلدان النامية، بعدما دفعت حالة عدم اليقين الاقتصادي وتراجع النشاط في بعض القطاعات إلى زيادة الضغوط المالية على العمالة الوافدة، التي تمثل العمود الفقري للقطاع الخاص في العديد من اقتصادات المنطقة.
وتشير التقديرات إلى أن العمال الوافدين في دول الخليج الست حولوا نحو 124 مليار دولار إلى بلدانهم خلال عام 2024، في تدفقات مالية تمثل شريان حياة لملايين الأسر في آسيا وأفريقيا، إلا أن استمرار الصراع وتداعياته الاقتصادية يثيران مخاوف من تباطؤ هذه التحويلات خلال الأشهر المقبلة.
ملايين العمال بين القلق والاستمرار
يجسد العامل الكيني ستيف جيفري صورة آلاف العمال الذين يواصلون العمل رغم تصاعد المخاطر، إذ يعمل في قطاع الضيافة بالعاصمة القطرية الدوحة، ويحول شهريًا نحو 1159 دولارًا إلى أسرته في كينيا، وهو مبلغ يعادل ضعف متوسط الدخل في بلاده، ويساعد عائلته في تغطية مصروفات التعليم والنفقات المعيشية الأساسية.
ورغم تعرض مدن خليجية لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة خلال فترة الحرب، يؤكد كثير من العمال أنهم لا يملكون بدائل حقيقية للعودة إلى أوطانهم، في ظل محدودية فرص العمل وانخفاض مستويات الأجور في بلدانهم الأصلية.
الحرب تربك الاقتصادات الخليجية
أدت الحرب إلى اضطرابات واسعة في حركة السفر والسياحة، كما أثرت على تدفق الصادرات عبر مضيق هرمز، وأسهمت في ارتفاع تكاليف الواردات وزيادة الضغوط على سلاسل الإمداد، ما انعكس على قطاعات اقتصادية تعتمد بصورة كبيرة على العمالة الوافدة، مثل الضيافة والإنشاءات والخدمات.
وعلى الرغم من بدء محادثات بين الولايات المتحدة وإيران للتوصل إلى اتفاق سلام دائم، يتوقع اقتصاديون تباطؤ معدلات النمو في عدد من الاقتصادات الخليجية خلال العام الجاري، وهو ما قد يؤثر في مستويات التوظيف والإنفاق الاستثماري.
تحولات في أنماط التحويلات المالية
تكشف البيانات الأولية عن تغيرات في سلوك العمال المهاجرين، إذ ارتفعت التحويلات إلى بعض الدول خلال المراحل الأولى من الحرب، مع مسارعة العاملين إلى إرسال مزيد من الأموال إلى أسرهم تحسبًا لتفاقم الأوضاع.
وسجلت الهند، التي تعتمد بصورة كبيرة على التحويلات القادمة من الخليج، زيادة تجاوزت 28% في الأموال المحولة خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في مارس، كما شهدت بنغلاديش وسريلانكا ارتفاعات مماثلة.
لكن هذه الزيادة لم تكن متساوية بين جميع الدول، إذ أظهرت بيانات الفلبين تباطؤًا في وتيرة التحويلات، بينما شهدت كينيا ارتفاعًا مؤقتًا قبل أن تنخفض التدفقات بنسبة 18% خلال أبريل، في إشارة إلى تزايد الضغوط المالية على العمال الوافدين.
استنزاف المدخرات يثير المخاوف
يرى خبراء في قطاع المدفوعات العابرة للحدود أن استمرار الحرب دفع نسبة كبيرة من العمال إلى الاعتماد على مدخراتهم الشخصية للحفاظ على مستويات التحويلات المعتادة لأسرهم.
وبحسب تقديرات منصة «أون أفريك»، فإن نحو 40% من المحولين بدأوا السحب من مدخرات الطوارئ، للمرة الأولى منذ جائحة عام 2020، مع توقعات بانخفاض حاد في إجمالي التحويلات بحلول الربع الثالث من عام 2026 إذا استمر الصراع لفترة أطول.
العمالة الوافدة ركيزة للتنويع الاقتصادي
اعتمدت دول الخليج على العمالة الأجنبية منذ عقود لدعم مشروعات البنية التحتية والقطاعات الإنتاجية، ومع توجه الحكومات نحو تنويع اقتصاداتها والاستثمار في التكنولوجيا والتمويل والرعاية الصحية والذكاء الاصطناعي، ازدادت أهمية هذه العمالة في إنجاح خطط التنمية.
لكن الحرب كشفت في الوقت ذاته عن هشاشة الأوضاع الاجتماعية للعمال ذوي الدخول المنخفضة، الذين يفتقر كثير منهم إلى شبكات الحماية الاجتماعية أو تعويضات البطالة، ما يجعلهم أكثر عرضة لتقلبات سوق العمل وخسائر الدخل.
تحويلات تمثل طوق نجاة للدول النامية
على الصعيد العالمي، تجاوزت تحويلات العمال المهاجرين إلى الدول منخفضة ومتوسطة الدخل خمسة تريليونات دولار خلال العقد الماضي، لتصبح مصدرًا مهمًا لدعم الاستهلاك المحلي، وتمويل الواردات، وتعزيز استقرار أسعار الصرف في العديد من الاقتصادات النامية.
ويحذر خبراء من أن أي اضطراب مستمر في تدفقات التحويلات قد يمتد أثره إلى ما هو أبعد من الجوانب المالية، ليشمل الأوضاع الاجتماعية ومستويات المعيشة لملايين الأسر التي تعتمد بصورة أساسية على الأموال المرسلة من أقاربها العاملين في الخارج.
