108 أيام هزت الاقتصاد العالمي.. كيف أعادت الحرب رسم خريطة الأسواق؟
على مدى 108 أيام من الحرب، عاشت الأسواق العالمية واحدة من أكثر موجات التقلب حدة خلال السنوات الأخيرة، وسط اضطرابات اقتصادية عميقة امتدت آثارها إلى مختلف فئات الأصول، من النفط والذهب إلى الدولار والعملات المشفرة، بينما تصاعدت المخاوف بشأن أمن الطاقة وسلاسل الإمداد، ما دفع التضخم العالمي إلى مستويات غير مسبوقة منذ سنوات.
وكانت أسواق الطاقة في قلب العاصفة، إذ شهدت أسعار النفط قفزات قوية مع تصاعد المخاطر الجيوسياسية والتهديدات التي طالت حركة التجارة الدولية، خاصة مع تعطل جزء كبير من الإمدادات العابرة عبر مضيق هرمز، الذي يمثل شرياناً حيوياً لسوق الطاقة العالمية وتمر من خلاله نحو خُمس إمدادات النفط العالمية.
وخلال ذروة الأزمة، قفز خام برنت إلى 119 دولاراً للبرميل، مسجلاً أعلى مستوياته منذ اندلاع الحرب، مدفوعاً بمخاوف نقص المعروض وارتفاع تكاليف النقل والتأمين. إلا أن المشهد تبدل سريعاً بعد الإعلان عن اتفاق السلام، ليتراجع الخام إلى نحو 82 دولاراً للبرميل مع انحسار المخاطر وعودة الرهانات على استقرار تدفقات النفط العالمية.
الذهب يخيب التوقعات
ورغم أن الذهب يُعد تقليدياً الملاذ الآمن الأول في أوقات الأزمات، فإن أداءه خلال الحرب جاء مخيباً للتوقعات. فبدلاً من تحقيق مكاسب قوية، تعرض المعدن النفيس لموجة ضغوط بيعية دفعت أسعاره إلى أدنى مستوياتها في ستة أشهر، ليهبط إلى نحو 4066 دولاراً للأوقية.
وجاء هذا الأداء الضعيف نتيجة تضافر عدة عوامل، أبرزها الارتفاع الحاد في معدلات التضخم العالمية، وتحول المستثمرين نحو الأصول ذات العوائد المرتفعة، إضافة إلى تزايد التوقعات باستمرار البنوك المركزية الكبرى في تبني سياسات نقدية متشددة لفترة أطول، ما قلص جاذبية الذهب الذي لا يدر عائداً.
الدولار الرابح الأكبر
في المقابل، برز الدولار الأمريكي كأحد أكبر المستفيدين من الأزمة، مستنداً إلى مكانته كملاذ آمن في أوقات الاضطرابات. وشهد مؤشر الدولار مكاسب قوية مع تزايد الطلب العالمي على العملة الأمريكية، بالتزامن مع ارتفاع التوقعات بشأن بقاء أسعار الفائدة الأمريكية عند مستويات مرتفعة.
كما عززت الارتفاعات المتواصلة في عوائد سندات الخزانة الأمريكية جاذبية الأصول المقومة بالدولار، ما دفع المستثمرين إلى زيادة حيازاتهم من العملة الأمريكية وسط حالة عدم اليقين التي خيمت على الاقتصاد العالمي طوال فترة الحرب.
التضخم تحت ضغط الطاقة
اقتصادياً، انعكست الحرب بشكل مباشر على مستويات الأسعار حول العالم، حيث ارتفعت معدلات التضخم بصورة حادة، خاصة في الولايات المتحدة وعدد من الاقتصادات الكبرى، مدفوعة بالزيادة الكبيرة في أسعار الطاقة والشحن والمواد الخام، وهو ما أضاف أعباءً جديدة على المستهلكين والشركات وأعاد المخاوف من تباطؤ النمو العالمي.
العملات المشفرة بين الخوف والمضاربة
ولم تكن أسواق العملات المشفرة بمنأى عن تداعيات الأزمة، إذ شهدت تقلبات عنيفة بين موجات بيع ناجمة عن تراجع شهية المخاطرة، وأخرى شرائية مدفوعة بمحاولات البحث عن بدائل للأصول التقليدية. وبذلك ظلت العملات الرقمية من أكثر الأسواق حساسية للتطورات الجيوسياسية والاقتصادية طوال فترة الحرب.
ومع إعلان اتفاق السلام وتراجع حدة التوترات العسكرية، بدأت الأسواق العالمية مرحلة جديدة من إعادة تسعير المخاطر. فتراجعت أسعار النفط من مستوياتها القياسية، بينما استقر أداء الذهب والدولار نسبياً، في وقت يترقب فيه المستثمرون والمؤسسات الاقتصادية حجم التداعيات التي خلفتها 108 أيام من الحرب على النمو والتضخم والاقتصاد العالمي خلال المرحلة المقبلة.



