تحت قبة البرلمان والقضاء
العدادات الكودية.. تسعير الكهرباء يشعل الجدل بين المواطنين والحكومة
عادت أزمة العدادات الكودية إلى واجهة النقاش العام في مصر خلال الأيام الأخيرة، بعد تصاعد شكاوى المواطنين من ارتفاع تكلفة استهلاك الكهرباء، بالتزامن مع تحركات برلمانية وقضائية لمراجعة آليات المحاسبة الجديدة المطبقة على هذا النوع من العدادات، وسط مطالب بإعادة العمل بنظام الشرائح بدلًا من السعر الموحد، وتساؤلات حول الأثر الاقتصادي والاجتماعي للقرار على ملايين الأسر.
تحوك جديد تحت قبة البرلمان
وشهد الملف تطورًا لافتًا بعدما تقدم النائب سمير البيومي، عضو مجلس النواب، بطلب إحاطة موجّه إلى رئيس مجلس الوزراء، ووزير الكهرباء والطاقة المتجددة، ووزيرة التنمية المحلية، بشأن استمرار أزمة العدادات الكودية وما ترتب عليها من أعباء مالية إضافية أثارت حالة من الغضب بين المواطنين.
وقال النائب في طلبه إن الشركة القابضة لكهرباء مصر سبق أن أكدت أن تركيب العدادات الكودية يستهدف تقنين أوضاع الوحدات المخالفة واحتساب الاستهلاك الفعلي للكهرباء، دون فرض زيادات غير معلنة أو محاسبة بأثر رجعي، إلا أن المواطنين فوجئوا مؤخرًا بتطبيق سعر موحد بلغ 2.74 جنيه للكيلووات/ساعة بدلًا من 2.14 جنيه، بنسبة زيادة تقارب 28%، مع إلغاء نظام الشرائح الذي كان معمولًا به سابقًا.
وأوضح أن الأزمة تجاوزت مسألة ارتفاع قيمة الفواتير لتتحول إلى ملف يحمل أبعادًا اقتصادية واجتماعية وقانونية، خاصة في ظل غياب إعلان واضح بشأن أسس التسعير الجديدة، وما اعتبره المواطنون تحميلًا لهم أعباء إضافية في توقيت اقتصادي صعب.
وأشار البيومي إلى أن قانون التصالح في مخالفات البناء رقم 187 لسنة 2023 لم يتضمن نصًا يُجيز توحيد سعر استهلاك الكهرباء أو فرض زيادات جديدة على أصحاب العدادات الكودية، مؤكدًا أن ملف مخالفات البناء يقع بالأساس ضمن اختصاص وزارة التنمية المحلية، وليس وزارة الكهرباء، ما يثير تساؤلات حول الربط بين الملفين.
كما انتقد استمرار تعقيد بعض إجراءات التصالح، لافتًا إلى أن عددًا من المواطنين يواجهون طلبات إضافية للحصول على موافقات من جهات مختلفة رغم حصولهم بالفعل على نماذج قانونية مثل النموذجين رقم 8 و10، وهو ما يطيل إجراءات التقنين ويزيد الأعباء الإدارية والمالية على المواطنين، خصوصًا محدودي ومتوسطي الدخل.
في ساحة القضاء الإداري
وفي موازاة التحرك البرلماني، دخلت الأزمة المسار القضائي بعدما نظرت محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة دعوى أقامها أحد المواطنين طالب فيها بوقف وإلغاء القرار الإداري الخاص بعدم محاسبته بنظام الشرائح التصاعدية على العداد الكودي الخاص به، مع وقف تطبيق القرار الوزاري رقم 142 لسنة 2024 عليه.

وأوضح مقيم الدعوى أن عداده الكودي تم تركيبه في مارس 2023، وكان يتم احتساب استهلاكه وفق نظام الشرائح التصاعدية المعمول به حتى نهاية مارس 2026، قبل أن يُفاجأ اعتبارًا من أول أبريل الماضي بتطبيق نظام السعر الموحد بقيمة 2.74 جنيه لكل كيلووات/ساعة بدءًا من أول شريحة استهلاك، دون إخطار مسبق، ما أدى إلى ارتفاع كبير في قيمة الفاتورة الشهرية.
وطالب بإعادة احتساب الاستهلاك وفق نظام الشرائح، ورد فروق المبالغ التي تم تحصيلها نتيجة تطبيق السعر الموحد، مع تعويضه عن الأضرار المادية والأدبية الناتجة عن القرار.
بهدف تطبيق العدالة.. الحكومة تدفع الأزمة عن ملعبها
في المقابل، ردت وزارة الكهرباء على الانتقادات المتزايدة بشأن نظام العدادات الكودية، مؤكدة أن الهدف الرئيسي من تطبيقه هو تحقيق العدالة والدقة في احتساب الاستهلاك الفعلي للكهرباء.
وقال منصور عبد الغني، المتحدث باسم وزارة الكهرباء، إن النظام السابق المعروف بـ"الممارسة" كان يعتمد على تقدير جزافي لاستهلاك الكهرباء مقابل مبلغ ثابت شهري، وهو ما كان يؤدي إلى تقديرات غير دقيقة واستهلاك غير محسوب للطاقة الكهربائية.
وأوضح أن فلسفة العداد الكودي جاءت لضمان الشفافية في المحاسبة وربط الفاتورة بالاستهلاك الحقيقي للمواطن، بدلًا من التقديرات الثابتة السابقة، مشددًا على أن العداد الكودي لا يمنح أي وضع قانوني للمبنى المخالف، وإنما هو وسيلة فنية فقط لحساب استهلاك الكهرباء بدقة.
وأضاف أن تطبيق العدادات الكودية ساهم في تقليل الفاقد التجاري للطاقة الكهربائية، والحد من الهدر، بما ينعكس إيجابًا على الاقتصاد القومي وكفاءة إدارة منظومة الكهرباء.
إقبال متزايد على تقنين العدادات الكودية في مصر
في إطار اتجاه الحكومة نحو تطبيق المنظومة الكودية، كشفت مصادر مسؤولة بوزارة الكهرباء والطاقة المتجددة عن تلقي نحو 300 طلب حتى يوم أمس الأربعاء عبر المنصة الموحدة لخدمات الكهرباء، بشأن تحويل العدادات الكودية إلى عدادات قانونية، في إطار خطة الوزارة لتنظيم استهلاك الكهرباء ودمج جميع العدادات غير الرسمية ضمن المنظومة المعتمدة.
وأوضحت المصادر أن هذا الرقم مرشح للزيادة خلال الفترة المقبلة، مع تزايد وعي المواطنين بأهمية تقنين أوضاع العدادات الكودية، والاستفادة من الخدمات الإلكترونية التي توفرها المنصة، والتي تهدف إلى تسهيل الإجراءات وتقليل الاعتماد على التعاملات الورقية التقليدية.
وأشارت إلى أن عملية التحويل تأتي ضمن توجه الدولة نحو إحكام السيطرة على منظومة الكهرباء، وضمان دقة المحاسبة وتقليل الفاقد، إلى جانب تحسين جودة الخدمة المقدمة للمواطنين، من خلال ربط جميع العدادات بالشبكة الرسمية بشكل قانوني ومنظم.
ورغم هذا التوضيح، لا تزال الأزمة مفتوحة على عدة مسارات؛ برلمانية وقضائية وتنفيذية، في ظل استمرار الجدل بين المواطنين والجهات المعنية حول عدالة التسعير وآليات التطبيق ومدى مراعاة الأوضاع الاقتصادية للأسر المصرية، التي لم تزل تترقب ما ستسفر عنه مناقشات مجلس النواب، إلى جانب الأحكام القضائية المنتظرة، أملاً في الوصول إلى حل وسط يعمل على صيرورة الأوضاع نحو صيغة توازن بين تحقيق تحصيل تكلفة الكهرباء الفعلية، وحماية محدودي الدخل من أعباء مالية متزايدة يصعُب تحملها.
