رئيس التحرير
عمرو عامر
رئيس التحرير
عمرو عامر
تحليل

الممرات البحرية تحت التهديد.. كيف أصبحت المضائق العالمية سلاحًا في الصراعات الدولية؟

الأحد 10/مايو/2026 - 10:08 م
كيف أصبحت المضائق
كيف أصبحت المضائق العالمية سلاحًا في الصراعات الدولية؟

سلطت التوترات الأخيرة في مضيق هرمز الضوء على الأهمية الإستراتيجية للمضائق البحرية حول العالم، بعدما تحولت من مجرد ممرات لعبور السفن والبضائع إلى أدوات ضغط جيوسياسي تؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والتجارة الدولية.

ومع تصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة، عادت الأنظار إلى عدد من المضائق الحيوية مثل هرمز وباب المندب وملقا والبوسفور، باعتبارها نقاط اختناق رئيسية تمر عبرها كميات ضخمة من النفط والغاز والسلع الإستراتيجية.

وبحسب تقرير نشرته صحيفة "لوموند" الفرنسية، فإن الحرب المرتبطة بإيران أعادت تسليط الضوء على هشاشة هذه الممرات البحرية، التي تمر عبرها النسبة الأكبر من تجارة الطاقة والسلع الإستراتيجية، محذّرة من أن استخدام الدول الساحلية للمضائق كورقة ضغط قد يدفع العالم نحو "حرب مضائق" ذات تداعيات اقتصادية وأمنية واسعة.

هرمز.. ورقة ضغط استراتيجية

أظهرت طهران أن تعطيل الملاحة في مضيق لا يتجاوز عرضه 50 كيلومترًا يمكن أن يمنحها قدرة ردع سريعة وفعالة.

وأشار التقرير إلى أن مجرد التهديد بالصواريخ أو الألغام البحرية دفع شركات شحن عالمية إلى تجنب المرور عبر المضيق، ما أدى إلى اضطراب حركة التجارة، وارتفاع أسعار النفط والغاز.

ويمر عبر مضيق هرمز ما بين 20 و25% من تجارة النفط البحرية العالمية، إضافة إلى حصة كبيرة من الغاز الطبيعي المسال، ما يجعله أحد أخطر نقاط الاختناق الإستراتيجية في العالم.

وأوضح التقرير أنه مع كل تصعيد عسكري، تتعرض الأسواق العالمية لتقلبات حادة، بينما تضطر الدول الصناعية إلى استخدام احتياطاتها النفطية لمحاولة تهدئة الأسعار.

بدورهم، يرى خبراء أن العولمة جعلت المضائق البحرية مفاصل حيوية للاقتصاد الدولي، إذ يمر خُمس صادرات القمح العالمية عبر مضيق الدردنيل التركي، بينما يعبر نحو ربع صادرات الأرز وفول الصويا عبر مضيق ملقا بين ماليزيا وإندونيسيا.

مضيق ملقا.. عقدة الصين الحساسة

كما يعد مضيق ملقا، الرابط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي، أحد أهم الممرات البحرية عالميًا وأكثرها ازدحامًا.

ففي العام 2025، عبرته أكثر من 100 ألف سفينة، مستحوذًا على نحو 29% من تدفقات النفط العالمية خلال النصف الأول من العام.

وترى الصين أن اعتمادها الكبير على هذا المضيق يمثل نقطة ضعف إستراتيجية، وهو ما وصفه الرئيس الصيني الأسبق هو جينتاو بـ"معضلة ملقا"، في إشارة إلى إمكانية استخدام الولايات المتحدة للممر كورقة ضغط في أي مواجهة مستقبلية.

ولهذا كثفت بكين استثماراتها في خطوط الأنابيب والممرات البرية ومشاريع "الحزام والطريق" لتقليل اعتمادها على المضيق، فيما عززت واشنطن وجودها العسكري وتحالفاتها الدفاعية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

البوسفور وباب المندب

وفي البحر الأسود، ازدادت أهمية مضيق البوسفور بعد الحرب الروسية الأوكرانية، عندما استخدمت تركيا اتفاقية مونترو لعام 1936 للحد من مرور السفن الحربية، مؤكدة دورها كحارس إستراتيجي لأحد أهم الممرات البحرية في أوروبا.

أما في البحر الأحمر، فقد تحول مضيق باب المندب إلى بؤرة توتر متصاعدة بفعل هجمات الحوثيين على السفن التجارية منذ أواخر 2023، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف التأمين البحري واضطراب حركة التجارة الدولية.

ويكتسب المضيق أهمية استثنائية بالنسبة للسعودية، كونه منفذًا رئيسيًا لصادراتها النفطية عبر البحر الأحمر، في وقت تتزايد فيه المخاوف من توسع النفوذ الإيراني في المنطقة عبر الجماعات المسلحة.

تهديد للنظام التجاري العالمي

من جانبهم، يحذّر مراقبون من أن نجاح إيران في استخدام هرمز كورقة ضغط قد يشجع دولًا أخرى على تبني الأسلوب ذاته، ما يهدد قواعد حرية الملاحة التي أرستها اتفاقيات القانون الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

وفي هذا السياق، حذَّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من أن المساس بحرية الملاحة يمثل "اختبارًا مباشرًا للنظام الدولي".

بينما يرى خبراء الأمن البحري أن الممرات المائية لم تعد مجرد انعكاس للتوترات العالمية، بل أصبحت عنصرًا مساهمًا في إشعالها.

وأكد تقرير الصحيفة الفرنسية أنه مع تصاعد التنافس بين القوى الكبرى، تبدو المضائق البحرية مرشحة لأن تتحول من شرايين للتجارة العالمية إلى خطوط مواجهة مفتوحة، قد تحدد مستقبل الاقتصاد والأمن الدوليين خلال السنوات المقبلة.