الأربعاء 08 أبريل 2026
رئيس التحرير
عمرو عامر
رئيس التحرير
عمرو عامر
تحليل

العمالة المصرية تراجعت 60%.. نيران الحرب تحرق طموحات المصريين بالخليج

الأربعاء 08/أبريل/2026 - 03:35 م
بانكير

العمالة المصرية التي كانت دائماً حجر الزاوية في بناء نهضة الخليج، تجد نفسها اليوم في مواجهة قاسية مع واقع لم تختره، حيث تحولت أحلام السفر من جسور للأمل إلى دروب محفوفة بالمخاطر. 

وبينما كانت الحقائب تُحزم بحثاً عن الرزق، جاءت أصوات المدافع لتفرض صمتاً اختيارياً على مكاتب التوظيف، وتترك آلاف الشباب في حالة انتظار لمصير مجهول خلف الحدود.

 لقد باتت لقمة العيش مغلفة بالقلق، بعدما تسببت الصراعات الملاحية والعسكرية في هز أركان الطمأنينة التي كانت تميز العمل في بلاد الرمال والذهب.

زلزال عسكري يهز أسواق التوظيف

ومنذ اندلاع المواجهات العسكرية المباشرة في نهاية فبراير الماضي بين الولايات المتحدة وحليفتها "إسرائيل" من جهة، وإيران من جهة أخرى، دخلت منطقة الشرق الأوسط في نفق مظلم من الحرب المستمرة. 

وهذا التصعيد، الذي شمل قصفاً متبادلاً طال القواعد الأمريكية ودولاً خليجية، ألقى بظلاله الكثيفة على سوق العمل؛ حيث كشف أصحاب شركات إلحاق العمالة وتوظيف المصريين بالخارج عن تراجع حاد في طلبات الاستقدام بنسب تتراوح ما بين 40% إلى 60%.

 ويأتي هذا الركود في وقت تشير فيه بيانات منظمة العمل الدولية إلى أن الوافدين يمثلون العمود الفقري لاقتصاديات الخليج، بنسب تتراوح بين 76% و95% من إجمالي القوى العاملة، مما يعني أن تعطل هذه الحركة يضرب قلب النشاط التجاري في المنطقة.

قراءة في أرقام الركود والقطاعات الصامدة

وأوضح حمدي إمام، رئيس جمعية رجال الأعمال أصحاب شركات التوظيف، أن الطلب على العمالة المصرية تراجع بما يزيد عن 50%، خاصة في دول مثل الكويت والإمارات والبحرين التي شهدت حالة من التوجس بسبب القصف المتبادل. 

ورغم هذا التراجع الكبير، إلا أن بعض القطاعات الحيوية لا تزال تحاول الصمود أمام عاصفة الحرب، وعلى رأسها قطاع المقاولات والإنشاءات ومواد البناء، بالإضافة إلى قطاع الخدمات الصحية الذي لا يمكن الاستغناء عنه في أوقات الأزمات. 

وفي المقابل، سجلت التقارير الرسمية للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن أكثر من 92% من تصاريح العمل المصرية كانت تتوجه للدول العربية، ما يجعل هذا الركود بمثابة أزمة تؤثر على ملايين الأسر التي تعتمد على تحويلات ذويها.

السعودية.. الاستثناء الذي يؤكد القاعدة

وفي خضم هذا المشهد القاتم، برزت السوق السعودية كلاعب خالف الاتجاه العام للركود؛ حيث أكد خبراء التوظيف أن المملكة لا تزال تستقبل الوافدين بشكل طبيعي دون تأثر يذكر بالعمليات العسكرية. 

ويعود هذا الصمود إلى مساحة المملكة الشاسعة وبعدها النسبي عن نقاط الصراع المباشر، بالإضافة إلى انشغال السوق السعودي بمواسم استراتيجية مثل موسم الحج وتصدير المعلمين، وهي قطاعات تطلبت استمرار تدفق العمالة المصرية دون توقف. 

ورغم أن التعاقدات الجديدة في دول أخرى شهدت تأجيلاً، إلا أن الشركات السعودية استمرت في إصدار التأشيرات واستكمال إجراءات السفر لمن تم التعاقد معهم قبل بدء الحرب.

هروب من الضغوط الاقتصادية نحو المجهول

ومن المفارقات التي رصدها التقرير، أن رغبة المصريين في السفر للخارج لم تتراجع رغم مخاطر الحرب، بل ارتفعت بشكل ملحوظ. 

وفسر وليد شامة، رئيس إحدى شركات إلحاق العمالة، هذا التوجه برغبة الشباب في الهروب من الضغوط الاقتصادية الخانقة الناتجة عن تداعيات الحرب في المنطقة وتأثيرها على الأسعار محلياً. 

فالمواطن المصري يرى في العمل بالخارج الملاذ الأخير لتأمين مستقبل أسرته، حتى وإن كان الوجهة هي منطقة تشهد توترات أمنية. 

وهذا الإقبال يقابله "تأني" من الشركات الخليجية التي تنتظر تحسن الأوضاع الأمنية قبل استقدام المزيد من الموظفين الجدد، خوفاً من تحمل تكاليف إضافية في وقت يسوده عدم اليقين.

التحويلات الدولارية.. الشريان الذي يواجه التحدي

وتعد تحويلات المصريين بالخارج المورد الدولاري الأكبر للدولة، وقد سجلت قفزة نوعية لتصل إلى نحو 25.6 مليار دولار في الفترة من يوليو إلى يناير 2025-2026. 

ومع استمرار الحرب، يخشى المراقبون من أن يؤدي طول أمد الركود في دول مثل الإمارات والكويت والبحرين إلى تراجع هذه الأرقام في المستقبل، مما يضغط على ميزانية الدولة. 

إلا أن التفاؤل لا يزال قائماً بأن هذا الركود هو "فترة مرحلية" ستنتهي فور صمت المدافع، لتعود حركة البناء والعمل لمسارها الطبيعي، مؤكدة أن العمالة المصرية ستظل دائماً هي الشريك الأساسي في نهضة الخليج مهما بلغت شدة العواصف.