حملات مفاجئة تكشف المستور.. سوق سوداء خلف محطات الوقود
في مشهد أقرب إلى الضربات المفاجئة، تحركت الهيئة المصرية العامة للبترول خلال الأسبوع الثالث من مارس، ليس كجهة رقابية تقليدية، بل كطرف يطارد سوقًا موازية تنمو في الظل.
عبر ذراعها المتمثل في اللجنة المركزية للرقابة على تداول المنتجات البترولية، انطلقت حملات ميدانية مباغتة شملت 30 موقعا ما بين محطات وقود ومستودعات بوتاجاز ومراكز شحن، موزعة على 8 محافظات، في محاولة لكشف ما يدور خلف واجهات البيع الرسمية.
من اللحظة الأولى، لم تكن الزيارات شكلية، فرق التفتيش فتحت سجلات البيع، قارنت الأرقام بما هو مسجل إلكترونيا داخل منظومة التداول، وواجهت البيانات بالواقع داخل الخزانات.
كل رقم كان موضع شك، وكل لتر تحت المراجعة، لم يتوقف الأمر عند الحسابات، بل امتد إلى فحص التراخيص، مراجعة طلبات التموين، والتأكد من التزام المواقع باشتراطات السلامة التي غالبا ما تهمل بعيدا عن أعين الرقابة.
لكن ما كشف كان أبعد من مجرد أخطاء إدارية، في محافظة سوهاج، ظهرت واحدة من أبرز الوقائع: تلاعب مباشر في أرصدة البنزين والسولار يقدّر بنحو 13 ألف لتر، كمية لم تختفِ عبثًا، بل كانت في طريقها إلى السوق السوداء وفي بورسعيد وأسوان، تكررت القصة بصيغة مختلفة، حيث تم رصد تداول السولار بطرق غير مشروعة، في مؤشر واضح على شبكة تتجاوز مجرد مخالفات فردية.
وفي القليوبية، قادت شكوى متداولة على مواقع التواصل إلى كشف أكثر تعقيدًا. لم يكن الأمر مجرد شبهة، بل واقع مثبت: طلمبات سولار جرى التلاعب في معايرتها، لتُسلّم للمواطنين كميات أقل مما يدفعون ثمنه، بينما يذهب الفارق إلى أرباح غير مشروعة.
ولم يتوقف المشهد عند هذا الحد، إذ تم العثور على مياه داخل صهاريج المنتجات، ما استدعى إيقاف الطلمبات المخالفة فورًا، وإلزام المسؤولين بتطهير الخزانات وإعادة دمغها تحت إشراف الجهات المختصة.
وفي موقع آخر بالمحافظة نفسها، تكشّف أسلوب أكثر دهاءً: تعطيل متعمد لأجهزة القياس الآلي داخل الخزانات، في محاولة لإخفاء الحركة الحقيقية للوقود، وطمس الفارق بين الوارد والمنصرف. إجراء لم يكن عشوائيًا، بل محسوبًا، وانتهى ببدء تطبيق عقوبات مباشرة على المسؤولين، شملت خصم عمولات البيع طوال فترة التلاعب.
أما في أحد مستودعات الجنوب، فكانت الصورة مختلفة لكن النتيجة واحدة. سيارات تُحمّل بكميات تتجاوز ما هو مثبت رسميًا في فواتير الشحن، في محاولة واضحة لتسريب الفائض خارج المنظومة.
الكميات الزائدة أُعيدت فور ضبطها، لكن المخالفات لم تتوقف عند هذا الحد، إذ تم رصد قصور واضح في اشتراطات السلامة، ونقص في معدات الإطفاء، ما يفتح بابًا لمخاطر أكبر من مجرد التلاعب المالي.
وفي قطاع مستودعات البوتاجاز، بدا المشهد أكثر قسوة على المواطن، أسطوانات يتم إخفاؤها عمدًا لإيهام الناس بنفادها، ثم تُباع لاحقًا بأسعار أعلى من السعر الرسمي، ولم يكن ذلك وحده، فقد تم ضبط أسطوانات معبأة غير صالحة للتداول، لا تستوفي أدنى معايير السلامة، وكأن حياة المستخدمين تُوضع في كفة، والربح السريع في كفة أخرى.



