66 مليار جنيه لإحياء القطن المصري.. ماذا حقق مشروع تطوير الغزل والنسيج؟
في قلب الدلتا، حيث تمتد الحقول البيضاء التي طالما ارتبطت باسم القطن المصري، بدأت حكاية جديدة تُكتب على أنقاض مصانع عتيقة كانت يومًا مفخرة الصناعة الوطنية، حكاية المشروع القومي لتطوير صناعة الغزل والنسيج، أحد أضخم المشروعات الصناعية التي تبنتها الدولة باستثمارات تجاوزت 66 مليار جنيه، في محاولة لاستعادة أمجاد صناعة شكلت هوية الاقتصاد المصري لعقود طويلة.
لم يكن الهدف مجرد ترميم مبانٍ قديمة أو استبدال ماكينات متهالكة، بل إعادة بناء منظومة كاملة من الجذور، في المحلة الكبرى يرتفع الآن أكبر مصنع غزل في العالم، “غزل 1”، كرمز لمرحلة جديدة. وفي كفر الدوار ودمياط وحلوان تتواصل أعمال التطوير بوتيرة متسارعة، استعدادًا لانطلاقة إنتاجية غير مسبوقة.
الأرقام هنا ليست مجرد إحصاءات، بل مؤشرات لتحول جذري: رفع الطاقة الإنتاجية للغزل إلى 188 ألف طن سنويًا بدلًا من 35 ألفًا، وزيادة إنتاج النسيج إلى 198 مليون متر سنويًا بعد أن كان لا يتجاوز 50 مليونًا، إلى جانب مضاعفة إنتاج الملابس الجاهزة ليصل إلى 50 مليون قطعة سنويًا. إنها قفزة بأربعة أضعاف، تعكس طموحًا يتجاوز حدود التحديث إلى إعادة تموضع مصر على خريطة الصناعة العالمية.
الصناعة الحديثة لا تقوم على المباني وحدها، توزعت الاستثمارات على محاور متكاملة: بنية تحتية جديدة، وماكينات متطورة جرى توريدها من كبرى الشركات العالمية في سويسرا وألمانيا وإيطاليا، تعمل بأنظمة أتمتة حديثة. كما أُنشئت مراكز تدريب لرفع كفاءة العمالة والمهندسين، لضمان أن تتواكب المهارة البشرية مع التكنولوجيا المتقدمة.

وفي خطوة تستهدف استعادة الحضور في الأسواق، أُطلقت علامة تجارية جديدة باسم Nit لتسويق المنتجات المصرية بأسلوب عصري محليًا وعالميًا، في محاولة لبناء صورة جديدة للمنتج الوطني.
إدارة هذا الملف الضخم تتولاها منظومة متكاملة تحت إشراف مجلس الوزراء، تقودها الشركة القابضة للقطن والغزل والنسيج والملابس باعتبارها الذراع التنفيذي للمشروع، إلى جانب الاستعانة بخبرات استشارية عالمية لضمان مطابقة المصانع لأعلى المعايير الدولية.
لكن مع اقتراب عدد من المصانع من مراحلها النهائية، تتصاعد الدعوات لتكثيف المتابعة وتسريع الإنجاز، حتى لا تتزايد التكاليف أو تتأخر العوائد المرجوة. فالمشروع لا يُقاس فقط بحجم ما أُنفِق عليه، بل بقدرته على تحقيق أهدافه الاستراتيجية: مضاعفة الإنتاج، تقليل الاستيراد، وتعظيم القيمة المضافة عبر تحويل القطن المصري من خام يُصدَّر، إلى منتج نهائي ينافس عالميًا.
هكذا تبدو الصورة: استثمار ضخم، ورهان كبير على استعادة عرش القطن المصري. وبين الماكينات الحديثة وأصوات الأنوال العائدة للحياة، تتشكل ملامح مرحلة صناعية جديدة تسعى لأن تعيد لمصر مكانتها التي طالما عُرفت بها في عالم الغزل والنسيج.



