محطة "تحيا مصر 1" في ميناء دمياط.. انطلاقة استراتيجية تضع مصر على خارطة الموانئ العالمية
شهد قطاع النقل البحري في مصر نقلة نوعية كبرى مع إعطاء إشارة البدء للتشغيل التجريبي التجاري لمحطة الحاويات "تحيا مصر 1" بميناء دمياط.
وهذا المشروع ليس مجرد إضافة للأرصفة البحرية، بل هو تجسيد لرؤية الدولة المصرية في تحويل سواحلها إلى مراكز لوجيستية عالمية قادرة على منافسة كبرى الموانئ في حوض البحر الأبيض المتوسط.
وتأتي هذه الخطوة تنفيذاً لتوجيهات القيادة السياسية بجعل مصر مركزاً إقليمياً لتجارة الترانزيت، مستغلة في ذلك موقعها الجغرافي الفريد الذي يربط بين طرق التجارة الشرقية والغربية.
وتتجلى أهمية هذا المشروع في قدرته على تعظيم الموارد القومية من العملة الصعبة وجذب الخطوط الملاحية العملاقة التي كانت تبحث عن موانئ بمواصفات عالمية في المنطقة.
ومن الناحية البيئية، تتبنى المحطة مفهوم "الموانئ الخضراء"، حيث تعتمد على معدات حديثة تقلل من الانبعاثات الكربونية، مما يضع مصر في مصاف الدول الملتزمة بالمعايير البيئية الدولية في قطاع النقل.
وفي يوم السبت، الرابع عشر من فبراير لعام 2026، كان ميناء دمياط على موعد مع حدث استثنائي، حيث استقبلت المحطة أول سفينة حاويات عملاقة إيذاناً ببدء العمل الفعلي.
وتقدم الحضور الفريق مهندس كامل الوزير، وزير النقل، إلى جانب لفيف من المسؤولين الدوليين وقيادات الخط الملاحي العالمي "هاباج لويد" (Hapag-Lloyd)، وهو التحالف الذي يقود عمليات التشغيل في المحطة، مما يعكس الثقة الدولية الكبيرة في كفاءة الإدارة والتشغيل المصرية.
وكانت السفينة "إيسن إكسبريس" (ESSEN EXPRESS) هي بطلة هذا المشهد الافتتاحي، حيث رست على أرصفة المحطة قادمة من ميناء أمبرلي بتركيا.
وتعد هذه السفينة من الطرازات العملاقة في عالم البحار، إذ يصل طولها إلى 366.5 متر، وعرضها 48 مترًا، بينما يبلغ غاطسها نحو 15.5 متر.
وتصل السعة التخزينية لهذه السفينة إلى 13177 حاوية مكافئة، بحمولات إجمالية تتجاوز 143 ألف طن، وهو ما قدم دليلاً عملياً قاطعاً على جهوزية المحطة لاستقبال أضخم السفن في الأسطول التجاري العالمي.
وبالنظر إلى الأرقام التي تقف خلف هذا الصرح، نجد أن المحطة تمتد بأرصفة تصل أطوالها إلى حوالي 1970 متراً، وتتميز بأعماق تصل إلى 18 متراً، مما يسمح لها باستيعاب السفن ذات الغواطس الكبيرة جداً.
كما تبلغ مساحة الساحة الخلفية للمحطة نحو 922 ألف متر مربع، وهي مساحة شاسعة مخصصة لتداول وتخزين الحاويات بأحدث الأساليب العالمية.
ومن المتوقع أن تصل الطاقة الاستيعابية السنوية للمحطة إلى 3.5 مليون حاوية مكافئة، وهو رقم يساهم في مضاعفة قدرات ميناء دمياط الإجمالية ويجعله منافساً قوياً في المنطقة.
وعلى مستوى التجهيزات، زودت الدولة المحطة بأحدث ما توصلت إليه تكنولوجيا الموانئ، حيث تضم أوناش رصيف عملاقة من طراز (STS) تتمتع بقدرات رفع فائقة وسرعة في التداول، إلى جانب أوناش ساحة أوتوماتيكية (RTG) تعمل بأنظمة ذكية وصديقة للبيئة.
وهذه المعدات لا تساهم فقط في تسريع عمليات الشحن والتفريغ، بل تدعم أيضاً التوجه نحو التحول الرقمي الكامل في إدارة الموانئ، مما يقلل من زمن انتظار السفن ويزيد من كفاءة العمليات اللوجيستية.
ولا يتوقف الطموح عند الجانب التشغيلي فقط، بل يمتد ليشمل إعادة تنظيم المنظومة اللوجيستية بالكامل داخل الميناء. فقد أصدرت هيئة ميناء دمياط ضوابط وتعليمات جديدة تهدف إلى تنظيم حركة دخول وخروج الشاحنات، لضمان انسيابية العمل ومنع أي تكدسات قد تنتج عن زيادة حركة التداول المتوقعة.
وهذا التنظيم الدقيق يعكس رغبة الدولة في تقديم نموذج إداري ناجح يواكب التطور الإنشائي الذي شهده الميناء.
إن محطة "تحيا مصر 1" تمثل اليوم حجر الزاوية في استراتيجية مصر لتطوير النقل البحري، فهي ليست مجرد مشروع استثماري، بل هي رسالة للعالم بأن مصر قادرة على صياغة مستقبلها الاقتصادي بأيدي أبنائها ومن خلال شراكات دولية قوية.
ومع بدء التشغيل التدريجي وصولاً إلى الطاقة القصوى، سيسهم هذا المشروع بلا شك في تعزيز مكانة مصر كقلب نابض للتجارة العالمية، ويفتح آفاقاً جديدة للتنمية المستدامة في البلاد.

