الخميس 22 يناير 2026
رئيس التحرير
عمرو عامر
رئيس التحرير
عمرو عامر
تحليل

صندوق النقد يرفع سقف التوقعات والبنك الدولي يدق جرس الاستحقاقات.. عام حاسم للاقتصاد المصري

الخميس 22/يناير/2026 - 08:00 ص
صندوق النقد يرفع
صندوق النقد يرفع سقف التوقعات والبنك الدولي يدق جرس الاستحقا

يعكس المشهد الاقتصادي المصري خلال الفترة الحالية مزيجًا دقيقًا من الإشارات الإيجابية والتحديات الضاغطة، بين تحسن ملحوظ في توقعات النمو الصادرة عن مؤسسات دولية كبرى، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي، وبين التزامات مالية خارجية مرتفعة تفرض اختبارًا مستمرًا لقدرة الاقتصاد على إدارة الاستحقاقات والحفاظ على الاستقرار المالي، وبين هذين المسارين، تتبلور صورة أكثر تعقيدًا لاقتصاد يتحرك للأمام وسط بيئة إقليمية ودولية شديدة التقلب.

صندوق النقد يرفع سقف التفاؤل للنمو الاقتصادي

يرصد أحدث تقييم لصندوق النقد الدولي تحسنا واضحا في توقعاته لأداء الاقتصاد المصري خلال العام المالي الحالي، بعدما رفع معدل النمو المتوقع إلى 4.7%، مقارنة بتقديراته السابقة الصادرة في أكتوبر عند 4.5%، هذه الزيادة، وإن بدت محدودة رقميًا، تعكس قراءة أكثر إيجابية لمسار الاقتصاد وقدرته على تحقيق نمو أعلى مما كان متوقعًا في ظل التحديات العالمية وتداعيات الأوضاع الجيوسياسية.

ويأتي هذا التحسن في التقديرات في وقت يشهد فيه الاقتصاد المصري تحركات واسعة على صعيد الإصلاحات المالية والنقدية، إلى جانب محاولات مستمرة لتحفيز القطاعات الإنتاجية وتعزيز موارد النقد الأجنبي، وهو ما انعكس في نظرة الصندوق للأداء الكلي.

صندوق النقد يرفع سقف التوقعات والبنك الدولي يدق جرس الاستحقاقات.. عام حاسم للاقتصاد المصري

قفزة أكبر في توقعات العام المالي المقبل

اللافت بصورة أكبر يتمثل في التعديل الصعودي القوي لتوقعات النمو خلال العام المالي المقبل، إذ رفع صندوق النقد الدولي تقديراته إلى 5.4%، مقابل 4.7% في توقعاته السابقة، بما يعكس قفزة نسبية في النظرة المستقبلية للنمو الاقتصادي.

ويرتبط هذا التحسن بشكل أساسي بتوقعات عودة الملاحة بشكل كامل إلى قناة السويس مع بداية النصف الثاني من العام الحالي، وهو ما يعني انعكاسًا مباشرًا على الإيرادات الدولارية مع انطلاق العام الماالاقتصادي، كما تعكس هذه التوقعات رهانًا واضحا على استعادة أحد أهم مصادر النقد الأجنبي لدوره المحوري في دعم الميزان الخارجي وتعزيز قدرة الاقتصاد على توليد العملة الصعبة.

66.6 مليار دولار استحقاقات خارجية على مصر في 2026

في المقابل، تظل الاستحقاقات المالية الخارجية أحد أبرز التحديات القائمة، حيث قدر تقرير صادر عن البنك الدولي إجمالي الالتزامات المستحقة على مصر خلال الفترة من سبتمبر الماضي وحتى سبتمبر المقبل بنحو 66.6 مليار دولار، وهو رقم يعكس حجم الضغوط التمويلية خلال عام واحد فقط.

وتشير البيانات إلى أن مصر سددت بالفعل نحو 15.8 مليار دولار خلال الربع الأخير من العام الماضي، ما يعني أن إجمالي الاستحقاقات المتبقية منذ بداية العام الحالي وحتى نهاية سبتمبر المقبل يصل إلى نحو 50.8 مليار دولار، وهو ما يضع ملف إدارة الدين الخارجي في صدارة الأولويات الاقتصادية.

الربع الأول الأكثر ضغطا

يمثل الربع الأول من العام الحالي ذروة الضغوط التمويلية، إذ تبلغ الاستحقاقات خلاله نحو 28.2 مليار دولار، إلا أن ما يخفف من حدة هذا الرقم أن جزءًا كبيرًا من هذه الالتزامات يتمثل في ودائع لدى البنك المركزي المصري، معظمها لدول خليجية، وتُجدد في الغالب بصورة تلقائية.

وتصل قيمة هذه الودائع إلى نحو 13.6 مليار دولار، ما يخفض صافي الاستحقاقات الفعلية خلال الربع الأول إلى نحو 14.6 مليار دولار، تشمل التزامات متعلقة بصكوك وسندات دولية، وهي استحقاقات تحظى بمتابعة دقيقة في إطار إدارة الدين الخارجي.

صندوق النقد يرفع سقف التوقعات والبنك الدولي يدق جرس الاستحقاقات.. عام حاسم للاقتصاد المصري

ولا تتوقف الضغوط عند الربع الأول، إذ تشير التقديرات إلى أن الاستحقاقات خلال الربع الثاني من العام الحالي تبلغ نحو 12.7 مليار دولار، بينما تصل في الربع الثالث إلى نحو 8.9 مليار دولار، ورغم تراجع الأرقام نسبيًا مقارنة بذروة الربع الأول، فإنها تظل التزامات كبيرة تتطلب تدبير موارد مستمرة من النقد الأجنبي.

بين النمو والاستحقاقات: معادلة صعبة

ورغم ضخامة هذه الأرقام، تبرز نقطة جوهرية تتمثل في التزام مصر الدائم بسداد التزاماتها الخارجية في المواعيد المحددة، وهو ما حافظ على انتظام العلاقة مع المؤسسات الدولية والأسواق المالية، ودعم الثقة في قدرة الدولة على إدارة التزاماتها رغم صعوبة الظرف الاقتصادي.

في المحصلة، يقف الاقتصاد المصري أمام معادلة دقيقة تجمع بين تحسن ملموس في توقعات النمو مدفوعًا بعوامل إيجابية منتظرة، أبرزها عودة الملاحة إلى قناة السويس، وبين ضغوط استحقاقات خارجية مرتفعة تفرض إدارة شديدة الانضباط للموارد والالتزامات، وبين التفاؤل الحذر والتحديات القائمة، تبقى قدرة الاقتصاد على الموازنة بين النمو والاستقرار المالي هي العامل الحاسم في المرحلة المقبلة.