أسعار النفط تتراجع وسط قلق الأسواق من جرينلاند والحرب التجارية
عكست أسعار النفط مسارها الصعودي خلال تعاملات الأربعاء، متأثرة بتصاعد المخاوف التجارية والجيوسياسية، وتراجع شهية المخاطرة في الأسواق العالمية، وذلك في وقت يترقب فيه المستثمرون صدور التقرير الشهري لـوكالة الطاقة الدولية، الذي من المتوقع أن يقدم إشارات حاسمة بشأن توازن سوق النفط العالمية خلال الفترة المقبلة.
وتراجعت أسعار خام برنت متجهة نحو مستوى 64 دولارًا للبرميل، في حين انخفض خام غرب تكساس الوسيط إلى ما دون 60 دولارًا للبرميل، بعد مكاسب محدودة سجلها في الجلسات السابقة، مدعومة آنذاك باضطرابات الإمدادات في بعض مناطق الإنتاج.
وجاء هذا التراجع في ظل تصاعد القلق في الأسواق عقب تجدد التوترات السياسية المرتبطة بمحاولات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ضم جرينلاند، وهي خطوة أثارت شكوكًا متزايدة حول مستقبل العلاقات بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وألقت بظلالها على تحالفات غربية رئيسية. وأسهمت هذه التطورات في إضعاف شهية المستثمرين تجاه الأصول عالية المخاطر، بما في ذلك الأسهم والسلع، وعلى رأسها النفط.
ولا تزال تقلبات أسعار الخام مرتفعة، في ظل تداخل عوامل سياسية وتجارية واقتصادية، تجعل مسار السوق عرضة لتحركات حادة في كلا الاتجاهين. ويعكس هذا الوضع حالة من الحذر الشديد بين المتعاملين، الذين يفضلون تقليص مراكزهم قبيل وضوح الرؤية بشأن مستقبل الطلب والمعروض.
مخاوف فائض المعروض تضغط على السوق
يتعرض النفط لضغوط إضافية ناجمة عن توقعات بأن يتجاوز المعروض العالمي الطلب خلال العام الجاري، وهو ما تعززه تقديرات وكالة الطاقة الدولية، التي من المنتظر أن تشير في تقريرها المرتقب إلى فائض كبير في السوق، مدفوعًا بزيادة الإمدادات من الولايات المتحدة ودول منتجة أخرى.
وفي هذا السياق، قال المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، خلال مشاركته في حلقة نقاش ضمن فعاليات المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، إن أسواق النفط والغاز قد تواجه ضغوطًا هبوطية تمتد من ثلاثة إلى أربعة أعوام، نتيجة «الكميات الهائلة من الإمدادات القادمة من الولايات المتحدة وبعض الدول الأخرى»، ما يحد من فرص ارتفاع الأسعار على المدى المتوسط.
كما تركز أنظار المستثمرين على الصادرات الفنزويلية، في ظل مراقبة الوجهات المحتملة للنفط الذي كان يُشحن في السابق في معظمه إلى الصين، بعد التدخل الأمريكي الأخير في هذا الملف، والذي شمل الاستيلاء على ناقلات نفط قرب السواحل الفنزويلية، ما أضاف عنصرًا جديدًا من عدم اليقين إلى مشهد الإمدادات العالمية.
ترقب لكلمة ترمب في «دافوس»
وتتجه الأنظار أيضًا إلى كلمة مرتقبة للرئيس الأمريكي دونالد ترمب أمام منتدى دافوس في وقت لاحق من اليوم، حيث يُنظر إلى تصريحاته على أنها قد تحمل إشارات مهمة بشأن مستقبل السياسة التجارية الأمريكية والعلاقات مع أوروبا.
وقبيل هذه الكلمة، تعهدت الإدارة الأمريكية بفرض رسوم جمركية بنسبة 10% على ثماني دول أوروبية، على خلفية الخلاف المتصاعد بشأن جرينلاند، وهو ما أعاد إلى الأذهان سيناريوهات الحروب التجارية السابقة، التي أثرت سلبًا على النمو الاقتصادي العالمي والطلب على الطاقة.
ويرى محللون أن أي تصعيد جديد في هذا الملف قد يؤدي إلى تباطؤ اقتصادي أوسع نطاقًا، ما ينعكس مباشرة على استهلاك النفط، خصوصًا في الاقتصادات الصناعية الكبرى.
شح الإمدادات الفعلية يحد من الخسائر
ورغم الضغوط السلبية، لا تزال هناك عوامل داعمة للسوق، تحد من تراجع الأسعار. إذ تشير الفوارق الفورية لأسعار الخام، والمتمثلة في الفجوة بين عقدي مارس وأبريل، إلى استمرار نمط «باكورديشن»، وهو نمط إيجابي يعكس قوة الطلب الفوري مقارنة بالإمدادات المستقبلية.
كما تسهم توقفات الإنتاج في أحد الحقول الكبرى في كازاخستان، إلى جانب القيود المفروضة على عمليات التحميل في منشأة اتحاد خط أنابيب بحر قزوين في البحر الأسود، في دعم السوق الفعلية، عبر تقليص الإمدادات المتاحة على المدى القصير.
ويؤكد هذا التباين بين العوامل الأساسية قصيرة الأجل والتوقعات طويلة الأجل أن سوق النفط لا تزال عالقة بين مخاوف فائض المعروض من جهة، واضطرابات الإمدادات والتوترات الجيوسياسية من جهة أخرى، ما يبقي الأسعار في حالة تذبذب حاد، بانتظار محفزات أوضح تحدد الاتجاه القادم.
